عاطف معتمد يكتب عن مصطفى بيومى
قبل عامين ظل الأستاذ أنور الهواري يكتب عن موسوعية الناقد المصري مصطفى بيومى حتى سألته في اتصال هاتفي “ما كل هذا الحب يا أستاذ أنور للرجل وقلمه، لعلك تتحدث عنه كعادتك من منطق المساندة والدعم لكثير من الكتاب؟”
قال لي “هذا رجل مظلوم لم يأخذ حقه من التقدير في بلدنا ..وأنصحك أن تقرأ أعماله”
وقبل أن أبحث عن أعماله بنفسي في المكتبات إذ بالأديب الكبير – الذي رحل عن عالمنا اليوم – يرسل لي على مكتبي في جامعة القاهرة نسخة من أحدث أعماله، فكتبت عنها عرضا مختصرا، أستعيده اليوم على سبيل الدعاء له بالرحمة والمغفرة وتعويضا عن آلام المرض في العام الماضي الطويل عليه. يوميات سعد عباس
في ثلاثة أجزاء يبلغ قوامها نحو 1000 صفحة، صدرت رواية الأديب المصري الكبير الأستاذ مصطفى بيومى وعنوانها “يوميات سعد عباس”.
قراءة هذه الرواية ليست ترفا، ليست من النوع الذي تتصفح فيه 50 صفحة وأنت جالس في مقهى صاخب، أو تتابع فقرة إعلانية بين مباراة كرة قدم، وليست من روايات المصايف والسفر والتشتت مع الهاتف المحمول.
هذه رواية تمزج عدة صنوف وفنون معا، حتى ليحار القارئ غير الخبير مثلي في بنيتها لأنها تجمع بين:
– أدب السيرة الذاتية، سواء الشخصي أو المتخيل
– التاريخ السياسي المصري
– الإنتاج الفكري المصري من أدب ومقال وقصة قصيرة.
ومثل كثير من الأدباء المصريين ذوي الوزن الثقيل – الذين لم يجدوا طرقا للانتشار الإعلامي – تقابل هذه الرواية خمسة تحديات على الأقل:
(1) الحدود الزمنية
الفترة التي تغطيها الرواية تشغل منتصف القرن العشرين، والتداعيات المترتبة عليه حتى سبعينيات القرن، تلك الفترة التحولية من الخروج من الملكية إلى النظام الجمهوري، صراع الوفد والملك ثم اقتناص الحكم العسكري للسلطة.
ورغم أن هذه الفترة من أكثر الفترات أهمية في تاريخ مصر إلا أنها من أكثرها ضبابية وغموضا في العقل المصري، ما بين تشكيك وخلط في المعلومات أو حجبها.
(2) الهموم المؤجلة لدى المؤلف
مؤلفنا المبدع الكبير يقدم في هذه الرواية الأسئلة التي تؤرق الإنسان في كل عصر، لكنها بالطبع مركزة على أسئلة ومشاكل منتصف القرن الماضي، ومن ثم سنجد أسماء لمنظمات ومؤسسات وأشخاص في كل من: الوفد، القصر والملك، الضباط، نجيب وناصر، الإخوان، وكبار صناع العقل المصري.
اللافت هنا أن النص محمل بهموم حقيقية للمؤلف وليست عملا أدبيا فحسب، وبوسعي أن أسميها هموم تأجل الكتابة عنها طويلا لدرجة أنها ما زالت ساخنة حاضرة كأن صاحبها عاصرها في الأمس القريب.
(3) تكليف القارئ بواجبات
هذه رواية لا تعرف القراء الكسالى، بل تمارس نوعا من تكليف القارئ بواجبات. فمؤلفنا حين يشير مثلا إلى مسرحية لتوفيق الحكيم ويعطي اسمها والنتائح الفكرية المترتبة عليها، لا يشرح لك موجز المسرحية وما الذي تعنيه، أو كذلك يفعل حين يشير إلى ما ترتب على نشر مقال لسيد قطب، ولا يعطيك تفاصيل المقال بقدر ما يعطيك فكرته.
ولأن ما يعرضه المؤلف في هذه الرواية من معلومات وأحداث سياسية مصرية حدثت بالفعل فإن على القارئ المجتهد أن يذهب إلى المصادر الأصلية ويشبع نهمه.
خذ مثالا لما فعله المؤلف معي في إشارته إلى الأثر الفكري والسياسي لمسرحية توفيق الحكيم “بنك القلق”.
(4) خبرة كل الأدباء في أديب واحد
من التحديات التي تقابلك في هذه الرواية أنك لن تخطئ توصيف المؤلف بأنه قارئ عليم وناقد قدير للأدب المصري في القرن العشرين، ولا سيما نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ. ولو كنت مطلعا عل إنتاج هؤلاء بشكل جيد فستلمس أطيافهم، لا في شكل التقليد بقدر ما في شكل الحضور الروحي لهم في بعض الفقرات والعبارات. وهذا في حد ذاته أحد أكبر تحديات المؤلف في عمله المهم بالغ الأثر.
(5) ضعف الدعاية للرواية
يدهشني أن رواية بهذا المستوى لم تحصل على أية دعاية رغم صدورها قبل ستة أشهر، ولا أعرف أكان ذلك مقصودا أم جاء بسبب عدم اجتهاد الناشر والمؤلف.
وكعادتي في ختام عروض الكتب الأدبية، أذكر نفسي وأذكركم بالقول الشهير ” من أفتى في غير فنه أتى بالعجائب” ،
ولذلك لا تأخذ عني شيئا مهما من هذا العرض، بل هي إشارة إلى رواية تعلمت منها شخصيا الكثير، وأجدها من وجهة نظري (كباحث في الجغرافيا) جديرة بالقراءة والاحتفاء وجديرة قبل كل ذلك بالنقد واهتمام النقاد.
ففي الرواية أساليب فنية تستحق النقاش، وحبكة فنية أولى بالمراجعة، وتحيزات المؤلف وحياديته الجديرة بالتفنيد، وأسماء أعلام وأحداث هي جزء بالغ الأهمية من التطور السياسي والفكري لمصر خلال الفترة بالغة الأهمية من تاريخها الحديث.
بقلم/ د. عاطف معتمد

Average Rating