ممارسة “الإرهاب الأكاديمي” تحت ستار الإستقلال بالعالي للسينما

Read Time:3 Minute, 17 Second

بقلم: محمد جمال الدين

​إن المؤسسات الأكاديمية العريقة لا تُبنى بضجيج البيانات، ولا تُدار بأسلوب الحشد الجماهيري، عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل تُصان بالإنضباط الإداري وإحترام التراتبية القانونية، التي تجعل من “العالم” قدوة في الإلتزام قبل أن يكون معلماً للفن، لذا فإن ما طالعناه مؤخراً من بيان منسوب لمجلس قسم التصوير، بالمعهد العالي للسينما لا يمثل مجرد إختلاف في وجهات النظر، بل هو إنزلاق خطير نحو فوضى إفشاء أسرار العمل، ومحاولة بائسة للي ذراع المؤسسة وإرهاب رئاستها، في مشهد يضرب قيم العلم في مقتل.

​إن نشر المكاتبات الداخلية وتفاصيل التحقيقات الإدارية عبر “فيسبوك” ليس “شفافية”، بل هو جريمة تأديبية مكتملة الأركان، فوفقاً لقانون تنظيم الجامعات ولائحة المعاهد الأكاديمية، يُحظر على أعضاء هيئة التدريس نشر ما يتعلق بشؤون العمل الداخلية أو التحقيقات الجارية، كما أن تحويل واقعة إدارية (قيد طالب) إلى قضية رأي عام، مخالفة واضحة وصريحة، وهي في الأساس محاولة لترهيب الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن رئيسة الأكاديمية، وثنيها عن ممارسة سلطاتها القانونية في الرقابة والإشراف، كما ​إن الذي يدعي حماية “النزاهة” لا يبدأ مسيرته بإنتهاك “أمانة المجالس”، المجالس الأكاديمية لها حرمة لا يجوز إستباحتها في فضاءات “السوشيال ميديا” المفتوحة.

​يتشدق البيان مجلس التصوير بالمعهد العالي للسينما بلفظ “الاستقلال الأكاديمي” لتبرير التمرد على القرارات الإدارية، وهنا يجب توضيح أن الاستقلال الأكاديمي يعني حرية البحث العلمي والمنهج، ولا يعني أبداً الإستقلال عن سيادة القانون أو الخروج عن طاعة السلطة الإدارية العليا للأكاديمية، فالمادة (42) التي استند إليها البيان هي مادة تنظم المواعيد، لكنها لا تسلب رئيس الأكاديمية سلطته التقديرية في الحالات الإستثنائية التي يقدرها وفقاً للصالح العام، وبما لا يخل بجوهر العملية التعليمية، لذا فإن تصوير “الإلتزام باللائحة” كذريعة لتعطيل قيد طالب هو تعسف في استخدام الحق، وجمود لا يليق بمؤسسة فنية مرنة.

و​بينما اختار مجلس القسم لغة “البيانات”، اختارت الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن لغة “الإحتواء” منذ بداية المشكلة أو لنقول بداية إختلاق المشكلة، فالمعلومات المؤكدة تشير إلى أنها عقدت اجتماعات ودية متعددة مع عميد المعهد بالإسكندرية السابق وبحضور الطلاب، وبحثت كافة السبل لتذليل العقبات، بل وصلت مرونة رئيس الأكاديمية وحرصها على مستقبل الطلاب إلى حد التعهد بتوفير وسائل نقل (باصات) للطلاب من الإسكندرية إلى فرع القاهرة الرئيسي، لضمان تلقيهم العلم على يد أساتذتهم في حال استمر تعنت الأساتذة ورفضهم السفر إلى فرع الإسكندرية، وهذا الموقف يثبت أن “التعنت” لم يكن من جانب رئاسة الأكاديمية، بل من جانب من رفضوا كافة الحلول الوسطى.

​وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتهرب منه أصحاب البيان، لماذا يمتنع أساتذة القسم عن السفر إلى الإسكندرية لإلقاء المحاضرات؟، وهل هذا السلوك يليق بأساتذة فنون يحملون رسالة تنويرية؟، ولماذا هذا الإصرار على التلاعب بمصير الطلاب وتعطيل مسيرتهم التعليمية؟، إذ إن الإصرار على إعلان الحرب على رئيسة الأكاديمية، المشهود لها بالكفاءة العلمية والإدارية عبر تاريخها الحافل يثير الضريبة، فلصالح من يتم تعطيل “النهضة الأكاديمية” التي تشهدها المؤسسة في عهدها؟، وهل تحول دور “الأستاذ الفاضل” من غرس القيم إلى تحريض الطلاب على الاعتصام؟، مع إغفال أن الإمتثال لواجب التدريس، والسفر لأداء الأمانة العلمية هو جوهر هذه المهنة المقدسة، وأن الإمتناع عنه هو خيانة للعهد الأكاديمي قبل أن يكون مخالفة إدارية.

والجدير بالذكر ​أن تعليمات وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات، قد أكدت مراراً على منع استخدام وسائل التواصل الإجتماعي كمنصات لتصفية الحسابات الإدارية، أو نشر أخبار من شأنها تكدير السلم الأكاديمي، وهذا البيان يمثل ​إثارة للبلبلة بين طلاب دفعة بإقحامهم في صراعات إدارية، و​إهانة لمقام رئاسة الأكاديمية بوصف قراراتها بـ “السابقة الخطيرة”، وهو خروج صريح عن مقتضيات الواجب الوظيفي والتقاليد الجامعية المستقرة.

​إننا أمام منعطف خطير فإما أن تسود دولة القانون والمؤسسات، وإما أن نترك الساحة لـ “دولة البيانات” والتحريض الإلكتروني، فالأستاذة الدكتورة نبيلة حسن لم تسع إلا لتطبيق القانون بروح تربوية، وما تحويل الأمر للتحقيق إلا إجراءً قانونياً طبيعياً لكشف الحقائق، وليس “نكالاً” كما يدعي البيان، لذا يجب على الأساتذة العلماء الإجلاء إدراك أنهم القدوة، والقدوة لا تكسر هيبة المؤسسة التي تنتمي إليها، وإن النزاهة الحقيقية تقتضي المثول أمام جهات التحقيق الرسمية بكل ثقة، لا الهروب إلى منصات التواصل لإستجداء عطف وهمي، وإدراك أن أكاديمية الفنون وستظل شامخة برئاستها وقوانينها، ولن تنحني لمحاولات “الإرهاب المعنوي” التي تمارسها لغة البيانات الفضفاضة، ولن يفلح الإصرار على إفشال الجهود المخلصة لتطوير هذا الصرح العظيم.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *