صالون أكاديمية الفنون يطلق شرارة التنوير بحضور رفيع المستوى
بقلم : د. محمد جمال الدين
لم يكن إطلاق “صالون أكاديمية الفنون الثقافي” من فوق خشبة مسرح “نهاد صليحة” مجرد حدث عابر في أجندة الأنشطة الرسمية، بل هو في جوهره نقلة وعي جديدة، واعتراف صريح بأن الفن ليس ترفاً هامشياً، بل هو الأداة الأنطولوجية الأولى التي يرمم بها الإنسان تصدعات وجوده، وحين رفعت الأكاديمية شعار “بالفنون نبني الجسور”، فإنها لم تختر مجازاً لغوياً، بل طرحت صيغة فلسفية لمقاومة العزلة والانكفاء، فالجسر في الفلسفة المعاصرة هو “تجاوز للمسافة دون إلغاء للخصوصية”، إنه المساحة المشتركة التي يلتقي فيها الأنا بالآخر ليتشاركا صياغة المعنى، من هنا يولد هذا الصالون كضرورة حتمية، وكمنصة حوارية مستدامة يعاد فيها إنتاج الأسئلة الكبرى، ليمتزج عمق المعرفة الإنسانية بجمال الإبداع الحسي، في زمن بات فيه العالم في أمس الحاجة إلى بوصلة تنويرية.
ولا يمكن قراءة هذا الحراك الفكري بمعزل عن السياق الإداري والفلسفي الذي تعيشه أكاديمية الفنون في الآونة الأخيرة، فمنذ تولت الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن رئاسة الأكاديمية، والخرائط الإبداعية داخل هذا الصرح تعاد صياغتها لتتحول من مجرد “مؤسسة تعليمية” إلى “منارة للإشعاع الثقافي” وصرح تنويري لا يهدأ، وهذا بفضل الدعم اللامحدود والرعاية الكريمة التي أولتها الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن لتدشين هذا الصالون، والذي يعد حلقة في سلسلة من المبادرات النوعية والفعاليات والأنشطة الثقافية المكثفة التي تشهدها الأكاديمية تحت قيادتها، وعليه فنحن أمام رؤية فلسفية في القيادة تؤمن بأن المؤسسة الأكاديمية يجب أن تفك شفرات عزلتها النخبوية، وتنزل إلى ساحة الحراك الفعلي لتكون “بيتاً للخبرة” وقاطرة تفعيل للحراك الإبداعي وإثراء الساحة الفنية برمتها، إذ يعكس هذا الزخم الملحوظ وعياً بأن المنارة لا يصح أن تكتفي بإضاءة جدرانها، بل يجب أن يمتد نورها ليشمل الآفاق الإنسانية كافة.
في المقابل يتجلى البُعد الإنساني والإرادي في فلسفة الصالون من خلال كلمة الأستاذة الدكتورة عفاف طلبة، أستاذ البيانو بالكونسرفتوار ومؤسس ورئيس الصالون، والتي وصفت هذا التدشين بأنه “حلم يتحقق بفضل تكاتف الجميع”، بوصف فلسفة “الحلم المتحقق” هنا تعبر عن إرادة الجماعة المخلصة التي تؤمن بالفعل الثقافي كفعل مقاومة وصناعة للحياة، ولأن الفن لغة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، فقد انعكست هذه الكونية في البنية الحاضرة للصالون، والتي جمعت بين أبعاد ثلاثة، البُعد الرمزي للدولة والعدالة والدبلوماسية، وتمثل في حضور رفيع المستوى ضم الدكتور عصام شرف (رئيس مجلس الوزراء الأسبق)، والمستشار محمد شيرين فهمي (رئيس محكمة جنايات أمن الدولة العليا سابقاً)، والسفير محمود عزت (مساعد وزير الخارجية الأسبق)، وهذا الحضور يبرهن على أن الفن هو الروح اللامرئية التي تسند هياكل الدولة الصلبة وتمنحها مرونتها الإنسانية، علاوة على البعد الأنثروبولوجي والتاريخي للفنون، وتجسد في حضور الدكتورة سلوى الشوان، الباحثة الفذة في علم موسيقى الشعوب وابنة الموسيقار الراحل عزيز الشوان، مما يربط الحاضر بجذور الهوية الموسيقية والحوار الثقافي العابر للأزمنة، والبُعد الكوني والامتداد الإفريقي الآسيوي، بمشاركة ضيوف من (السنغال، مالي، إريتريا، السودان، وإندونيسيا)، ليتحول الصالون في أولى لحظاته من شأن محلي إلى فضاء عالمي رحب، يؤكد فيه الفن قدرته العجيبة على صهر الهويات المتعددة في هرمونية إنسانية واحدة.
لقد ترجم الحفل الفلسفة البنائية للصالون من خلال المزيج الفريد الذي قدمه، فلم يكن التنظير الفكري حكراً على الأمسية، بل تلازم بالضرورة مع الممارسة الحسية، والمداخلات الفكرية لنخبة الأساتذة والباحثين، حين تضافرت مع عروض الباليه، والموسيقى العربية، والشعر، قدمت نموذجاً حياً لـ “وحدة الفنون وتكامل المعرفة”، وعليه”فإن الصالون بهذه الشمولية لا يكتفي بمناقشة تحديات الفن وقضايا المبدعين، بل يسعى ليكون الملاذ الفكري الأول الذي يفكك الأزمات المعاصرة ويعيد صياغة الوعي الجمعي بناء على ثنائية الفكر والجمال”، وعليه فصالون أكاديمية الفنون الثقافي لم ولن يكون مجرد مساحة للقاء، بل هو بيان فلسفي جديد يعلن انحياز الدولة المصرية ومثقفيها لخيارات التنوير والعقلانية في مواجهة التسطيح، ومع هذا الانطلاق المشرف، تتحول أكاديمية الفنون بقيادة الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن، وبجهود الأستاذة الدكتورة عفاف طلبة وأسرة الصالون، إلى منصة توليدية للأفكار ومختبر حقيقي لصناعة المستقبل الثقافي، فالجسور قد بُنيت بالفعل، والمستقبل الآن رهن بما ستفيض به عقول المبدعين الذين اتخذوا من هذا الصالون ملاذاً، ومن الفن منارة لفك طلاسم الوجود الإنساني.

Average Rating