أكاديمية الفنون في مواجهة الجدل .. انتصار لسيادة القانون وترسيخ لقيم العدالة
كتب : محمد جمال الدين
بين أروقة الفكر ومحاريب الإبداع، تظل القوانين هي الناظم الوحيد الذي يحمي الفن من العشوائية، ويضمن للعملية الأكاديمية إستدامتها وقدسيتها، وفي مشهد يعكس حيوية المؤسسة التعليمية وقدرتها على ضبط إيقاعها الداخلي، أصدرت أكاديمية الفنون بيانًا حاسمًا، لم يكن مجرد رد إداري، بل تجسيداً لفلسفة السيادة للمؤسسة والمساواة فوق الإعتبار، وذلك على خلفية ما أثير بشأن قبول أحد طلاب الدراسات العليا بقسم التصوير بالمعهد العالي للسينما.
استهلت الأكاديمية بيانها بالتأكيد على حقيقة فلسفية وإدارية جوهرية، وهي أن جميع إجراءاتها تنبثق من صحيح القانون، نأياً بنفسها عن أي اعتبارات شخصية قد تخل بميزان العدالة، فالعمل المؤسسي في جوهره هو الضمانة الأسمى لإستقرار العملية التعليمية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت اللوائح التي تمثل العقد الاجتماعي بين الأكاديمية ومنتسبيها.
وشددت الأكاديمية على أن قراراتها ليست نتاج إرادات فردية، بل هي ثمرة “شورى أكاديمية” قانونية، يمثلها مجلس الأكاديمية الذي يضم عمداء كافة المعاهد، مما يمنح قراراتها صبغة التوافق الكلي، والمصلحة الجمعية التي تتجاوز حدود المعهد الواحد لتشمل أفق المنظومة ككل.
وفي تفنيد دقيق للأزمة، أوضح البيان أن قرار مجلس الأكاديمية الصادر في يناير 2026 لم يكن “صك قبول” نهائيًا للطالب المذكور، بل كان إجراءً تمهيدياً، يهدف إلى إرساء مبدأ تكافؤ الفرص، إذ أن فلسفة القرار تمكين الطالب من تقديم ملفه وإخضاعه لذات الإختبارات (الشخصية، الشفوية، والتحريرية) التي يخضع لها أقرانه، كما أكدت الأكاديمية أن المعهد يمتلك السيادة الفنية الكاملة في التقييم، حيث يظل القبول مشروطاً باجتياز تلك المعايير لضمان جودة المخرج التعليمي، وقد نفت الأكاديمية وجود أي تخبط زمني، مؤكدة أن الدراسة بالدبلوم لم تبدأ إلا مع الفصل الدراسي الثاني، مما يجعل الإجراءات الإدارية متناغمة تماماً مع الجدول الأكاديمي.
وكشف بيان الأكاديمية عن الجهود الحثيثة التي بذلتها الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن رئيسة الأكاديمية الحالية، لإحتواء الموقف، فبناء على تحفظ قسم التصوير، أتخذت الأكاديمية قراراً تصحيحياً شاملاً، بفتح باب الإلتحاق لكافة الطلاب الراغبين، ترسيخاً لمبدأ العدالة المطلقة، وعلى الرغم من سلسلة الإجتماعات التنسيقية والقانونية التي هدفت لتقريب وجهات النظر، إلا أن رئيس قسم التصوير تمسك بموقفه الرافض لتنفيذ القرار، معلناً أمام مجلس الأكاديمية استعداده لتحمل التبعات القانونية لهذا الرفض، وهو ما يضع الإستقلال الفني في مواجهة الإلتزام الإداري القانوني.
وقد اختتمت الأكاديمية رؤيتها بالتأكيد على أن مصلحة الطالب هي القطب الذي تدور حوله رحى العملية التعليمية، لكنها مصلحة مشروطة بالإنضباط تحت لواء القانون، والحفاظ على التقاليد الأكاديمية العريقة، فالحقوق لا تستقيم إلا بالواجبات، والفرص لا تُمنح إلا بالإستحقاق المتساوي، في وقت تواصل أكاديمية الفنون دورها كمنارة لبناء وجدان الأمة، لذا فإنها تهيب بالوسط الأكاديمي والإعلامي تحري الدقة، والنهل من المعين الرسمي للمعلومات، وعليه فإن هذا البيان ليس مجرد فصل في نزاع إداري، بل هو إعادة تأكيد على أن المؤسسية هي الحصن الأخير الذي يحمي الفن من الهوى، والقانون من الاستثناء.

Average Rating