المعجزة التي تُدعى الحب… حين نقبل أبناءنا كما هم
د. فؤاد شهاب يكتب:
في عالمٍ يزدحم بالمقاييس والأحكام المسبقة، حيث تُقاس قيمة الإنسان بما يملك أو بما يحقّق من نجاحات، يغيب عن كثيرين أن أسمى أشكال الحب هو ذاك الذي لا يُقاس ولا يُشترط… الحب الذي يحتضن أبناءنا كما هم، دون محاولةٍ لتشكيلهم على صورةٍ مثالية مرسومة في خيالنا.
حين أشرقت مريم في حياتي، أدركت أن الله أهداني أولى عطاياه العظمى كأب. لم تأتِ الهدية محاطةً بالزهور كما يتوقع الناس، بل جاءت في صورة امتحانٍ عميقٍ للإيمان والصبر. قيل لي يومها: «إنها لا تسمع»… جملةٌ أرادها البعض حاجزًا، لكنني لم أرَ فيها سوى بداية طريقٍ مضيء، طريق يقودني إلى طفلة تستحق أن أفتح لها قلبي وعالمي… تمامًا كما هي.
لم يكن قبول مريم قرارًا عقليًا متزنًا، بل كان انسيابًا فطريًا للحب. شكرت ربي لأن هناك من ينتظر سنواتٍ ليُرزق بطفل، بينما أنا كان بين يديّ ملاك يملأ حياتي نورًا، حتى وإن غاب صوته.
غمرتها بمحبةٍ لا تعرف الشرط، فبادلتني بمحبةٍ أكبر، علّمتني أن الطفل حين يُقبَل بلا قيود، يصبح أكثر قدرةً على النمو، على الإبداع، وعلى أن يكتب حكايته الخاصة. ومن هنا بدأت معجزتنا… لم تكن معجزة “إخراج مريم من الصمت إلى الكلام” فحسب، بل كانت معجزة إخراجنا جميعًا من ضيق النظرة المجتمعية إلى رحابة الإنسانية الحقيقية.
واليوم، ونحن نحتفل بتدشين الطبعة الثالثة من كتابي «حبيبتي ابنتي سميتها مريم»، أشعر أن كل صفحة في هذا الكتاب ليست مجرد كلمات، بل شهادة حيّة على أن الحب غير المشروط قادر على صنع المستحيل. هذا الكتاب لم يكن دفاعًا عن ابنتي وحدها، بل عن كل طفلٍ وُصف بالنقص، وهو في الحقيقة يملك ما يكمل إنسانيتنا نحن.
رسالتي اليوم كما كانت منذ اللحظة الأولى:
اقبلوا أبناءكم كما هم… لأن القبول يولد الأمان، والأمان ينبت الثقة، والثقة تفتح الطريق إلى السعادة والمعجزات.
المعجزة الحقيقية ليست في أن يتكلم من كان صامتًا، أو أن ينجح من اعتقد الناس أنه عاجز… المعجزة الكبرى هي أن نحب بلا شروط. فهذا الحب وحده هو الذي يفتح للإنسان أبواب الحياة.

Average Rating