حين أعادتني مريم إلى قلب أبي
د. فؤاد شهاب يكتب:
كنتُ دائمًا الابن المختلف، المتمرّد قليلًا، الذي يسير في طرق لا تشبه طرق الآخرين. لم أكن أرضى بما هو مفروض، وكنت أفتّش عن معنى أوسع للحياة، وأسأل أسئلةً وجودية لا ترضي عقل أبي المحافظ. كان يرى في بحثي قفزًا إلى المجهول، وفي تمردي انحرافًا عن الصف الذي أراده لأبنائه التسعة.
كان يحبني بصدق، لكن حبه كان مغطّى بالخوف: الخوف من أن يُوسم ابنه المختلف بالمنحرف، والخوف من أن يضيع بين دروب لا يعرفها. حتى حين اجتهدت وتفوّقت، وحملت الدكتوراه من فرنسا عائدًا، لم يندهش. كان يعتبر نجاحاتي طبيعية، فهي بنظره ثمرة ظروف ميسّرة، بينما هو بنى نفسه من الصفر بيديه. لم تهز شهاداتي صورته المرسومة عني، ولم تفتح لي باب رضاه.
لكن القدر أهدانا مريم… ومعها الوجع والأمل معًا.
حين عرفنا بإعاقتها السمعية، رأيت أبي كما لم أره من قبل: رجلًا يتصدّع قلبه، وتتكسّر صلابته. لم يكن حزنًا على الصغيرة وحدها، بل كان وجعًا عليّ أنا، كأنه يقول بعينيه: “كيف ستحتمل هذا العبء يا بني؟” كان الموروث يثقل رأسه: فتاة صماء، كيف ستعيش؟ كيف سيقبلها المجتمع؟
لكنني لم أستسلم. حملت حبّي لمريم درعًا، وتمردت من جديد… لا على أبي هذه المرّة، بل على ميراث الخوف والعجز. صمتُّ حين لم ينفع الكلام، وعملت حين كان الفعل وحده قادرًا أن يشهد. قاومت جدار الاستحالة، حتى انبثق الصوت من بين شفتيها.
حين نطقت مريم أولى كلماتها، لم يكن ذلك حدثًا عادياً… كان معجزة. لم تولد ابنتي فقط، بل وُلدت أنا من جديد بين يدي أبي. رأيت الدهشة تذوب في عينيه، ورأيت الفخر يشع من وجهه. الرجل الذي لم تدهشه شهاداتي ولا نجاحاتي، هزّه صوت حفيدته العائد من الصمت، ففتح لي بابًا إلى قلبه ظلّ مغلقًا طويلًا.
منذ تلك اللحظة، لم يعد يراني الابن المتمرّد الضائع، بل الابن الذي قاوم المستحيل وانتصر. غمرني بحبّ مختلف، حبّ انتظرته عمري كله، ولم يأتِ إلا عبر مريم.
وأعترف هنا، وللمرة الأولى، أنني أفتح صندوقًا ظلّ مغلقًا في قلبي طويلًا… صندوق علاقتي مع أبي، أغلى إنسان في حياتي (رحمه الله). ولعلّ ما شجّعني على فتحه هو ذلك الدفء الذي غمرني من حفاوة الناس بالطبعة الثالثة من الكتاب، ووعيهم بأنه لم يعد مجرّد حكاية شخصية، بل مصدر إلهام لعشرات الأسر، خاصة أسر مجتمع ذوي الإعاقة.
شكرًا لمريم… لأنها لم تُعِد لي ابنتي فقط، بل أعادت إليّ أبي أيضًا
📖 هذا النص يأتي مواكبًا لتدشين الطبعة الثالثة من كتابي «حبيبتي ابنتي سميتها مريم»، غداً الأحد ٣١ أغسطس في قاعة محمد حسنين هيكل بنقابة الصحفيين المصريين.
إنه يوم للاحتفاء بالحب والإصرار، وبالمعجزات الصغيرة التي تغيّر حياتنا إلى الأبد.

Average Rating