خمسة انتصارات للمقاومة .. ليس كما يزعم عبدالمنعم سعيد
“عبدالمنعم سعيد” كتب مقالة لجورنال “المصري اليوم” نُشِرت يوم أمس، تحتوي على شوية مغالطات زُبَد، صاغها بأسلوب التلبيس “الإبليسي”.
من مغالطاته “الهبلاء” اعتباره استهداف واستشهاد “أبي عبيدة” نقلة في مصير “المقاومة”، طبعا هو متخيل إن النقلة “انحدارية”، المقاومة بتنزل تحت، بتنهزم، مع أننا نرى بأم أعيننا “المقاومة” وقد اشتد أوارها بعد استشهاد أقوى رجالها وأهمهم، مثل “يحيى السنوار” و”محمد ضيف” و”إسماعيل هنية”، بل اشتد أوار المقاومة وكانت نبتة لم تزل بعد استشهاد الشيخ “أحمد ياسين” منشئها وملهمها الروحي. وكأن “عبدالمنعم سعيد”، المثقف الصحافي، أغبى من أن يعرف شيئا عن طبيعة مقاومات الشعوب أيا كانت تحت أي مستعمر. إنها تشتد وتقوى باستحكام واستفحال ظلم المستعمرين، لا بحياة قادتها، ومهما مات قادتها تظل في طور التصاعد حتى تحصل على الحرية لأوطانها وشعوبها.
زوَّد “عبدالمعم سعيد” استعباطه حبتين عندما جزم ـ في مقاله ـ بأن “المقاومة” لم تحقق أي انتصار حتى الآن! وساق الدليل “العبيط” ذاته الذي يسوقه كل من هو على شاكلته: لقد دُمِّرت غَزَّة تماما، وقُتِل الشعب وجُوِّع، ولم يحصل “القطاع” على شيء. أما الحقيقة فإن ثمارا كثيرة نضجت لصالح القضية “الفلسطينية” بسبب ما حصل ويحصل في “القطاع”.
أول الانتصارات:
إحياء القضية “الفلسطينية” بعد أن زوت وأُهمِلت لصالح اتفاقيات “التطبيع” مع “الخليج”، ما تحقق منها والمأمول تحققه، بالإضافة لمساعي “التطبيع” الأخرى مع معظم الدول “العربية”، هكذا كانت “القضية” تلفظ أنفاسها الأخيرة، و”الضفة” تُقضَم دونما دونما كل يوم. أما اليوم، فـ”العالم” كله يتكلم عن ضرورة وجود دولة “فلسطينية”، ودول “أوروبية” مؤثرة مثل “فرنسا” و”إسبانيا” و”إيطاليا”، وحتى “بريطانيا”، تتوجه إلى اعتراف صريح بدولة “فلسطين”، حتى أن فرض السيادة “الصهيونية” المزمع على “الضفة” سيصير أمرا دراماتيكيا مزعجا للـ”كيان”.
ثاني الانتصارات:
وهو في الغاية “القصوى” من الأهمية، لدوره “المحوري” الأصيل في التحرير مستقبلا: تغيير نظرة الشعوب الغربية “الحرة” تجاه “الفلسطينيين”، وتفَهُّم قضيتهم، مع انكشاف سوءة “الصهيونية” والشروع في إجراء مقارنة بينها وبين “النازية”. أعني: لقد تم تشكيل أكبر “لوبي” عالمي سيسهم بلا شك في توجه الحكومات “الغربية”، وربما حتى “الأمريكية” بعد الانتخابات القادمة هناك، سيكون “معيار” الانتصار للقضية “الفلسطينية” عاملا حاسما في انتخاب القادة والسياسيين هناك. أعدُّ هذا انتصارا ربما أكبر بكثير من الانتصارات “العسكرية” نفسها، والتي بغير انكشاف السوءة “الصهيونية” لعُدَّت انتصارات المقاومة مجرد عمليات “إرهابية”.
كيف تم كشف السوءة “الصهيونية”؟
بهذا التدمير الرهيب الذي يمارسه الصهاينة ضد “البنيان” الغزاوي، وبهذه الإبادة والتجويع الذين يمارسهما ضد “الشعب” الغزاوي، وبالبلطجة والإرهاب الذين يمارسهما “المستوطنون” ضد فلسطيني “الضفة”، بحماية العُدَّة العسكرية “الصهيونية”.
أقصد قول: تدمير “غزة”، الذي يُسوِّقه “المُستهبِلُون” دليلا على هزيمة “المقاومة” هو السبب الأكبر في “تغيير” النظرة الشعبية الغربية للقضية 180 درجة، من إرهاب “إسلامي” يُمارَس ضد “إسرائيل” الكيوت المتحضرة الإنسانية الأخلاقية، إلى إرهاب “نازي” تمارسه “إسرائيل” ضد شعب محتل أعزل، تهدم بنيانه، وتقتل وتجوع إنسانه.
هكذا نؤكد أن تدمير “غزة” لم يكن شيئا مجانيا، بل خنجرا منغرسا في خاصرة العدو، يسيل دمه قطرة قطرة، إلى أن يسقط.
ثالث الانتصارات:
استباحة أمن “الكيان” وشعبه. وهنا أتكلم عن “إبادة” من نوع آخر: لقد أبادت “المقاومة” نظرية الردع “الإسرائيلي بعد نسفها، وتركت سماءه وأرضه مرتعا لمختلف أنواع الصواريخ والطائرات المسيرة، بدءً من تلك “الغزاوية” البسيطة، وانتهاء بالباليستية “الإيرانية”.
يزعمون أنهم انتصروا على “إيران”، فيما “إيران” لم تزل ترسل عليهم كل يوم صواريخها من الاتجاه “الحوثي”. انتُهِك الأمن “الإسرائيلي” تماما، حتى أن رجلا بسيطا في “العراق” أو “لبنان” أو “اليمن” يستطيع إرسال تحيته الـ”جحيمية” لتسقط فوق رؤوس المستوطنين “الصهاينة” فيما ينكمشون داخل المخابئ، تُروِّع قلوبهم صفارات إنزار أصواتها كأنها أصوات الأشباح والجن.
رابع الانتصارات:
قالوا إن الضَّغط يولد الأخطاء.
وقد ولد ضغط العملية “العسكرية” الطويلة اخطاء سياسية سقطت فيها “الدبلوماسية” الإسرائيلية، نتيجتها إزاحة “القناع” المزيف عن الوُجهات الحقيقية للدولة “اليهودية”. “الكيان” ليس دولة “وطنية” او “مدنية”، هو دولة “دينية” متطرفة، يستوطنها متطرفون “تلموديون”، قادتها “تلموديون”، وإن لم يكونوا كذلك فإنهم يتاجرون بالشعار “الديني” من أجل التوسُّع والتمدُّد، وفي تصريحات “نتنياهو” الأخيرة بخصوص إيمانه بـ”إسرائيل الكبرى”، وحروبهم المستمرة منذ 3500 عام، دليل واضح ساطع على أن “نتنياهو”، أو أي رئيس وزراء “صهيوني” غيره، يستثمر اتفاقيات “التطبيع” لا في تحقيق “سلام” دائم نهائي، بل هذه الاتفاقيات هي خطوات “تكتيكية” في سبيل تحقيق الهدف “الاستراتيجي”: إسرائيل الكبرى.
هكذا وضع “الصهاينة” ـ بضغط المقاومة ـ الحقيقة القبيحة بلا رتوش تجميلية تحت عيون القادة “العرب”.
فهل يستكملون مسيرة هذه الاتفاقيات؟
أشك.
خامس الانتصارات:
أمر يخص “مصر” و”الأردن”.. لقد شاهدا درسا عمليا للقدرات “العسكرية” الإسرائلية، وإمكانيات الدعم “الأمريكي” و”الأوروبي” لها، صار “الكيان” على طول السنتين الماضيتين جثة مستكينة على طاولة “التشريح” العسكري في “مصر” خصوصا، لأنها الدولة العربية “الوحيدة” التي تمتلك جيشا يمكنه “المجازفة”، دون أن تكون مجازفته “مغامرة”.
وهذه خمسة انتصارات حققتها “المقاومة” ظىهرة وواضحة، أحطها في عين “عبدالمنعم سعيد”، مع ذلك يمكن بالنظر الثاقب في وقائع “غزة”، ومع التفصيص الصبور الجيد، استخلاص المزيد والمزيد من الانتصارات التي ما كانت لتتحقق لولا سواعد “المقاومة”، حتى يطمن قلب كل عربي “حر”، لا “مِستنوِر” ولا “متصهين”، إلى أن بنيان “غزة” وإنسانها لم يُدمَّر أو يُقتَل هدرا، بل هو الثمن النبيل الذي يجب دفعه لاستعادة وطن عربي “مُستلَب”، ورمز إسلامي “مُغتَصب”، هما أثمن وأعز من أن يعودا “مجانا”.
بقلم/ اشرف الخمايسي
روائي مصري

Average Rating