أديب الشباب.. أمير الهامشيين!!

Read Time:6 Minute, 6 Second

د. عمار علي حسن  يكتب: 

“يا عقاد، يا طه حسين، يا زكي نجيب محمود: اصحوا من قبوركم، فقد بعثتكم صلصلة كلماتي. هل من مبارز؟” .. هكذا كتب محمود عبد الرازق عفيفي، الذي لقب نفسه بـ “أديب الشباب” في خلفية كتابه “إجهاض الحرية” بعد أن كتب واصفًا نفسه: “لقد أخلصت للأدب والفكر، نفسًا وروحًا، عقلًا وجسدًا، ولكن يا أسفاه من زمن علاه الجدب والقحط والضجر.”

وإذا كان عفيفي قد قال هذا في كتاب له فإن اسمه لم تحمله الكتب، إنما الكتابة على الجدران، حتى أطلق عليه “أول أديب جرافيتي”، وربما يكون الأخير، لاسيما أن تجربته هذه لم تحمل الناس على قراءة كتبه، حتى لو صار العوام يعرفون بعض عباراته المنثورة المنشورة في محطات القطارات والمترو والباصات ومواقف سيارات الأجرة وملاعب كرة القدم وعلى واجهات الكباري وأسفلها ومداخل المدن. فهؤلاء لا يعرفون اسمه، وإن عرفوه فهم لا يعرفون صورته، ولا يطالعون سطور كتبه التي يعلن عنها بإلحاح شديد، من خلال عبارات تجمع بين الطرفة والتحدي والبذاءة، وبعض الشكوى والضجر من حاله.

من عباراته التي لم يخل منه جدار مدينة في مصر كلها، من أقصاها إلى أدناها، حتى بدا للبعض أن له أعوانًا يساعدونه في تلوين الجدران بالأحمر والأسود، معلنًا عن عناوين كتبه: “من يسبح ضد التيار معى؟” و”سيدى المسيح عفوًا” و”كلام على ورق بفرة” و”الإسلام والجنس” و”الألوهية والجنس” و”حكاوي الغواني” و”هذا قرآني” و”إجهاض الحرية”.

كان يكتب هذه العناوين أو عبارات لافتة ويوقع تحتها باسمه، ويضع رقم هاتف منزله وعنوان شقته بحي التونسي في الإمام الشافعي، وأحيانًا يعلن أن كتبه توزع مجانًا لدى باعة الصحف، وحين صدقه بعض الناس وذهبوا لطلبها، لم يجدوها. وقد ضاق بعض الناس به فأرسلوا إلى الصحف يشكون من تلويث الجدران بيديه وفرشاته وأقلامه.

فعل عفيفي كل شيء في سبيل أن يلفت الانتباه لنفسه، فلم يكتف بالإشارة إلى كتاباته، بل راح يختلق حكايات وعلاقات مع فنانات شهيرات منهن ليلى علوي، وشيرين سيف النصر، ومنى عبد الغني، وجيهان نصر، وغيرهن، وكان يواكب في هذا صعود نجوميتهن ليستفيد منها.

وذات صباح وجد طلاب الجامعة الأمريكية بالقاهرة عبارات على جدرانها تحمل سبابًا لهم بألفاظ بذيئة حيث قال “كل بنات الجامعة الأمريكية … “، ثم دعاهم إلى قراءة كتب أديب الشباب. وكتب ذات مرة “أحذر الفتيات والمراهقات والسيدات.. لاتقرأوا مؤلفاتي.”، وأرسل ذات مرة إلى الكاتب الصحفي الشهير عبد الوهاب مطاوع الذي كان يحرر باب “بريد الجمعة” بصحيفة “الأهرام” رسالة ساخرة قال له فيها: “شوف لي عروسة من أسرة متوسطة، لا تعمل، بيضاء لا شية فيها”.

وكان مشجعو كرة القدم يرون لوحة في المباريات المحلية مكتوب عليها “أديب الشباب يتمنى الفوز للفريقين”، فإن كانت مباراة للمنتخب الوطني كتب يتمنى له الفوز. وحين رأى عاملو الاستاد يطلقون الحمام في بداية بعض المباريات احتفالًا، صنع طائرة ورقية، غلفها بكيس بلاستيكي شفاف كتب فوقه “أديب الشباب” بخط أحمر، وأخذ يرفرف بطائرته في المدرجات لتنتبه إليه الكاميرات. وقد بلغ في هذا مكانًا دفع أصحاب الإعلانات التجارية إلى التبرم منه.

وانتقلت كتاباته على الجدران إلى مناوشة الحياة السياسية، فحين وقعت فضيحة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مع موظفة البيت الأبيض مونيكا لوينسكي انتهز عفيفي الحادثة ليكتب على الجدران: “كلينتون بريء .. البقعة التي على فستان مونيكا تخصني”، بل أرسل برقية للسفير الأمريكي بالقاهرة تحمل هذا الاعتراف المضحك، مكذبًا كينث ستار الذي أعد ملف القضية.

وذات مرة وجه كلامه للرئيس مبارك شخصيًا سائلًا إياه: “كيف ترضى يا سيادة الرئيس في عهدك أن يُصادر كتاب وأن يقصف قلم”. ولأنه كان موظفًا إداريًا بوزارة الداخلية، ووقع عليه ظلم بنقله ثم فصله من العمل، راح يكتب عبارات يهاجم فيها وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، بل كان يًعلق في الشوارع ملابس داخلية مكتوب عليها شتائم ضده، ويوزع أوراقًا تحمل شعارات تهاجمه. وأودى به هذا إلى إيداعه مستشفى الأمراض العقلية، لكن الطبيب الذي فحصه أطلق سراحه بعد تيقنه من أنه رجل عاقل يعرف ما يريد وما يفعل، فأُلقي به في سجن الفيوم سنة، ليخرج بعدها مكسور النفس، ويلزم بيته، ويختفي بعد أن شغل الناس ربع قرن على الأقل.

في أيام نشاطه، ولمَّا أعيته الحيل في لفت الانتباه إليه، أو أراد مزيدًا من هذا راح يناوش الأزهر، وهي حيلة طالما لجأ إليها البعض بحثًا عن ذيوع، فألف كتابًا صادمًا، ينطوي، حسب علماء الدين، على تجديف وإلحاد ومعارضة للشريعة، في تفسيره لآيات قرآنية لم يُحسن حتى كتابتها على نحو سليم، وتجريد الأنبياء والرسل من العصمة، والصحابة من الإجلال والمهابة. ولم ينس في كتابه هذا يمعن في إقحام الجنس في الموضوع، ليزيد من الصدمة.

وتحقق له ما أراد حيث قدم مجمع البحوث الإسلامية بلاغًا ضده، متهمًا إياه بازدراء الأديان، والإضرار بالسلم الاجتماعي، فكتب على الجدران: “منى عبد الغني والشرطة والأزهر يطاردونني”.

مثل عفيفي أمام أشرف العشماوي وكيل النائب العام، وهو أيضًا روائي بارز، والذي حقق معه. أدرك العشماوي أن الرجل يريد أن يُحبس فيما كتب لينال شهرة انتظرها، فأفرج عنه. ويحكى العشماوي هذه الواقعة قائلًا: “قلت له بعد انتهاء التحقيق: تفصل مع السلامة، فتقلبت ملامحه وهو يتسائل عن قرار حبسه، فلمَّا أجبته بأنه لن يُحبس ولن يدفع كفالة ولا أي شئ وأن المحضر سيحفظ أيضًا، فقط عليه أن يفتح باب المكتب وينصرف إلى بيته، ثار وغضب وكاد يبكي. وبعد محاولات مضنية لتهدئته مع الوعد بالنظر فى أمر حبسه ومحاكمته!! قال بنبرة متوسلة وهو قرب الباب: ينفع طيب أقول للصحفيين إني محول للمحاكمة بسبب كتبي، وحضرتك تنفي الخبر بعدها بيوم أو اتنين!”

مع مواصلة الكتابة على الجدران كان عفيفي يتردد على “مطبعة النصر” بشارع الجيش، وسط القاهرة، لطباعة كتبه. وكان صاحبها الحاج بكري يطبع له خمسة آلاف نسخة من كل عنوان، يتولى هو حملها وتوزيعها على باعة الصحف في الميادين الرئيسية، ويتابع بيعها عن كثب. وفي بعض الأوقات أعطى صحيفتي “الأهرام” و”الجمهورية” حق التوزيع، وكتب يشكرهما على مساعدته في إيصال كتبه إلى الناس.

رغم كل ما بذله عفيفي من جهد في سبيل لفت الانتباه لنفسه، فإنه بقي في ظل كل هذا الذيوع واحدًا من كتاب الهامش. فلا ملء الجدران باسمه جعل الناس يواصلون قراءة كتبه، ولا النقاد كتبوا عنه، ولا دور النشر أعادت طباعتها، ولا الأدباء اعترفوا به واحدًا منهم، بل ظلت حالته ظاهرة اجتماعية نفسية، وليست أدبية، تستعاد على سبيل الطرافة أو الغرابة أو عدم القدرة على التحقق، مهما بلغ الإشهار مداه، طالما أن النص المعلن عنه ليس جيدًا، ليظل الرجل وفق الناقد د. محمد بدوي “بطلًا في دنيا الهامشيين الذين لا صوت لهم، القابعين خارج المتن، الباحثين عن تسلية بسيطة أو فكاهة.”

ربما لو كرس عفيفي جهده في تجويد نصه، بمزيد من القراءة والدربة، لصار وضعه بين أهل الكتابة أفضل من هذا، فمحمد بدوي يرى أن نصوصه “لم تكن ذات طبيعة ركيكة، كما يحلو للبعض وصفها، وإنما كان صاحب قدرة كبيرة على السرد الشيق حتى وإن خلا من بناء تقليدي، ويتمتع بخفة دم ظاهرة، علاوة على أنه متأثر للغاية بصورة المثقف الكلاسيكي ذلك الذي يتحدث في كل شئ.”

ويعطي عفيفي مثلا صارخا على أن الإلحاح في إعلان الكاتب عن نفسه، وسعيه إلى الشهرة بأي ثمن، حتى لو كانت كتابات صادمة في الدين والسياسة والجنس، التي نطلق عليها التابوهات الثلاثة، يؤدي إلى نتائج عكسية، عملا بالقاعدة التي ترى أن تضخم واستمرار الإعلان عن سلعة في إلحاح شديد، يعني أنها بائرة، وقد يؤدي إلى تشكك الناس في جودتها، ومن ثم يمتنعون عن شرائها.

إن هذا الذيوع في الهامش الذي كسبه عفيفي سنوات سرعان ما انحسر عنه، إذ توقف عن الكتابة، ويقضي حياته كسيرًا مع تأثره النفسي الشديد بتجربة السجن، وشظف العيش، يقلب قصاصات من الجرائد التي تتحدث عنه، ويحملق في الأدوات التي كان يستعملها في الإعلان عن نفسه، والتي لا يزال محتفظًا بها في شقته البسيطة، التي تشهد جدرانها على خوفه واعتزاله وقنوطه.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *