لا أستثني منكم أحدًا
محمد حماد يكتب: *
بعض الراحلين لا يُصدَّق رحيلهم، لا لأن الموت لم يكن ممكنًا، بل لأن حضورهم تجاوز فكرة الغياب ذاتها.
كانوا جزءًا من تكوين الوعي، ومن خرائط الروح في لحظات التشكّل الأولى، لا يُستدعَون بوصفهم ذكرى، بل بوصفهم مرجعًا.
وحين يقال إنهم رحلوا، يفاجئك الخبر كأنه تأخّر كثيرًا عن موعده، أو جاء إلى عنوانٍ لم يعد صالحًا للاستلام.
في هذا المعنى تحديدًا، يبدو مظفّر النوّاب كأنه لم يغب قط. فالرجل لم يكن شاعرًا بالمعنى المجرّد، بل حالة كاملة من التمرّد الجمالي والسياسي، صعب أن تُختصر في ديوان أو في مرحلة، وأصعب أن تُغلق صفحتها ببيان وفاة.
الغياب لا يُقنعك برحيله، لأن صوته ما زال يعمل في الوعي العربي، لا بوصفه حنينًا، بل بوصفه اتهامًا مفتوحًا.
الذاكرة معه ليست شخصية خالصة، بل جيلٌ كامل يمكنه أن يتعرّف على نفسه فيها.
ليالٍ طويلة كنّا نجتمع فيها، بعد أن ننهي ما كنّا نسمّيه آنذاك “العمل التنظيمي”، لننتقل إلى ما كان في الحقيقة عملًا أخطر: استدعاء الشعر بوصفه وعيًا بديلًا.
لم تكن تلك جلسات ترف ثقافي، بل كانت محاكمات صريحة للواقع، وكان مظفّر النوّاب دائمًا في صدر القاعة، حتى وهو غائب بالجسد.
لم يكن وحده، بالطبع. كان المشهد الشعري آنذاك مكتمل الأركان: أمل دنقل بحدّته الأخلاقية، محمود درويش بصياغته للهوية، سميح القاسم بوضوحه الصدامي، أحمد عبد المعطي حجازي بجسره بين التراث والحداثة.
لكن مظفّر كان مختلفًا؛ لم يكن يكتب ضد السلطة فقط، بل كان يجرّدها من لغتها، ويتركها عارية أمام نفسها.
أتذكّر جيدًا اللحظة التي وقع فيها ديوان “وتريات ليلية” بين أيدينا. لم يكن كتابًا يُشترى، بل غنيمة تُنتزع.
حصلنا عليه من الحاج مدبولي كما تُهرَّب الأشياء الممنوعة، لا لأن الورق خطير، بل لأن ما فيه كان كذلك.
قرأته في ليلة واحدة، بلا فواصل، كأن النص لا يسمح لك بالتوقّف.
شدّتني الأجزاء التي لم نكن نحفظها، لكنني، مع الوقت، أدركت أن أعظم ما في مظفّر لم يكن في شتيمته الشهيرة لحكّام العرب، رغم ضرورتها التاريخية، بل في المقاطع التي كان فيها أكثر هدوءًا، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على كشف الخراب من دون صراخ.
كان مظفّر النوّاب، حين يبتعد عن الغضب المباشر، يبلغ ذروة الشعر.
هناك، في تلك المساحات، كان يكتب وجدانًا عربيًا مجروحًا، لا يطلب التعاطف، بل الفهم.
ولهذا ظلّ الربع الأوّل من الليل وقتي المفضّل، يصحبني فيه صوته مع أم كلثوم وفيروز، ثلاثتهم يشتغلون على المنطقة نفسها في الروح، كلٌّ بطريقته.
كِدتُ أن ألتقيه في سوريا، في واحدة من زياراتي الثلاث إليها، لكن اللقاء تأجّل، كما تأجّلت أشياء كثيرة في زمن عربي لا يسمح بالاكتمال. قيل لنا يومها إنه نُصح بالمغادرة، وكان ذلك كافيًا لفهم المشهد كلّه.
مظفّر لم يكن مطلوبًا كشخص، بل كانت كلمته هي المشكلة، والكلمة، كما نعرف، أخطر من صاحبها.
أغلق صفحته هنا، لا ليُنهيها، بل ليفتحها في مكان آخر من الوعي.
بعد الرحيل بدا مظفّر النوّاب أكثر حضورًا، وأكثر دلالة. ونداؤه الأخير، الذي ظنّه البعض شتيمة، كان في جوهره خلاصة موقف سياسي وأخلاقي، يتجدّد مع كل صباح عربي جديد:
(أولاد القحبة…
لا أستثني منكم أحدًا )
* كاتب صحفي

Average Rating