وهم كليات الإعلام!!

Read Time:1 Minute, 55 Second

علاء ثابت يكتب :*

لدينا أكثر من خمسين كلية ومعهدا عاليا وقسما في مجال الإعلام، سواء في الجامعات الحكومية أو الخاصة أو الدولية، ويتخرج منها آلاف الطلاب سنويا. وهنا يطرح سؤال بديهي: هل تتوافر فرص عمل كافية لكل هؤلاء الخريجين؟! أرى أن الإجابة عن هذا السؤال لم تشهد جهدا حقيقيا من وزارة التعليم العالي للتعرف على طبيعة سوق العمل الإعلامي، وظروفه، واحتياجاته الفعلية. فبدلا من تحقيق التنسيق المطلوب بين سوق العمل وكليات الإعلام، نلاحظ أن المؤسسات الإعلامية لا تشترط بالضرورة أن يكون العاملون بها من خريجي كليات ومعاهد وأقسام الإعلام فقط؛ إذ تعتمد في كثير من الأحيان على تعيين الموهوبين، إلى جانب خريجي كليات أخرى تمتلك تخصصات تحتاجها هذه المؤسسات.

وفي المقابل، يلاحظ كذلك وجود حالة من العشوائية في إنشاء كليات وأقسام الإعلام، دون الاعتماد على دراسات علمية جادة ترصد احتياجات سوق العمل الفعلية، أو تقييما موضوعيا لمدى جدوى التوسع في هذه الكليات، من حيث ما تقدمه من مهارات عملية وخبرات مهنية قادرة على تأهيل الخريجين للانخراط الحقيقي في العمل الإعلامي. وتزداد خطورة هذه الإشكالية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجال الإعلامي، وفي مقدمتها دخول الذكاء الاصطناعي، وما صاحبه من تطورات هائلة فرضت واقعا جديدا يتطلب تحديثا مستمرا للمناهج، وإدخال مقررات تواكب هذه الطفرة التكنولوجية، وتؤهل الطلاب للتعامل معها بكفاءة.

وهنا تبرز أهمية دراسة تجارب الإعلام الدولي والاستفادة من نماذجه في إعداد إعلاميين متخصصين، يتجه كل منهم إلى مجال معرفي محدد، كالعلوم أو الطب أو القانون أو الآداب، مع استكمال تكوينه الأكاديمي بمقررات من الكليات المرتبطة بتخصصه، بما يحقق تكاملا معرفيا ومهنيا. ويسهم هذا النهج في تخريج كوادر إعلامية عالية الكفاءة، قادرة على المنافسة في بيئة إعلامية شديدة الاحتدام، في عصر ألغى فيه البث الفضائي الحدود بين الدول.

ويحتاج الإعلام المصري إلى هذه الكفاءات لاستعادة مكانته وريادته محليا وإقليميا ودوليا، باعتباره أحد أعمدة الدولة وأدوات قوتها الناعمة، في مواجهة إعلام موجه تقوده دول وجماعات ذات أجندات تتعارض مع قيم المجتمع. ومع تحول الإعلام إلى عنصر مؤثر في الأمن القومي، يصبح لزاما على خريجي الإعلام امتلاك المهارات والكفاءة اللازمة للتفوق عالميا، خاصة في ظل عالم متشابك المصالح، وتنامي دور المعلومات، وتزايد حملات التضليل والشائعات، التي لا يمكن التصدي لها إلا بإعلام متطور ومؤهل للقيام بدوره الوطني، إلى جانب أدواره التوعوية والترفيهية. ومن ثم، تبرز ضرورة ملحة لتحديث كليات ومعاهد وأقسام الإعلام بصورة حقيقية وعلمية، لا شكلية أو وهمية كما هو حاصل الآن، لمواكبة هذه المستجدات المتسارعة، باعتبار ذلك واجبا وطنيا لا غنى عنه.

*رئيس تحرير الأهرام السابق

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *