بين أخلاق النكسة ونكسة الأخلاق!

Read Time:7 Minute, 21 Second

د. أيمن منصور ندا يكتب:

كما يُصاب الأفراد (بالأنيميا/ فقر الدم) وما ينتج عنها من أعراض مثل الشعور بالتعب، والإجهاد، والضعف، وضيق التنفس، والدوار، والصداع، وغيرها من الأعراض الشائعة، تُصاب المجتمعات (بالأنوميا/فقر الأخلاق) وما ينتج عنها من اختلال في القيم، واضمحلال في الأخلاقيات، واعتلال في المعايير، وانحلال السلوكيات، وزوال الحياء، وغياب الضمير، هكذا أشارت كثير من الدراسات النفسية والاجتماعية.. وإذا كان من السهل، بكورس غذائي مكثف، وبروتوكول علاجي منظم، وإشراف طبي محكم، القضاء، في وقت قصير، على الأنيميا لدى الأفراد، فإنَّ معالجة الأنوميا المجتمعية تحتاج إلى عدة عقود، وتستلزم جهوداً طائلة ومستمرة. وقد لا تفلح هذه الجهود في تصحيح ما اعوجَّ، وفي تقويم ما انكسر.. وكأنَّنا إزاء مقولة أمير الشعراء: “وإذا أصيب القوم في أخلاقهم… فأقم عليهم مأتماً وعويلاً”.

في أعقاب الحروب، والثورات، والأحداث الكبرى، والأزمات الاقتصادية الطاحنة، والنكسات المتلاحقة، والإخفاقات العظيمة، تحدث ظاهرة الأنوميا الاجتماعية Social Anomy/ Anomie، وهي الظاهرة التي أشار إليها عالم الاجتماع الفرنسي “إميل دور كايم” (1858- 1917)، وأوضح أعراضها ونتائجها في كتابه (الانتحار 1897)، ثم أعقبتها جهود علماء كبار مثل العالم الأمريكي “روبرت مرتون” (1910- 2003) في تحليله الوظيفي للمجتمع الأمريكي، والعالم الإنجليزي النمساوي “كارل بوبر” (1902-1994)، في تحليلاته النفسية للأزمات المجتمعية في كتابه “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، وغيرهم.. والقاسم المشترك في تعريف هؤلاء العلماء لهذه الظاهرة أنها مصاحبة للمجتمعات التي هي على شفا الانهيار، وفي المرحلة الأخيرة قبل السقوط، وأنَّ المجتمعات في هذه الظاهرة تكون أشبه بمريض يعاني درجة عالية من الغيبوبة (على مقياس جلاسكو) وتم وضعه على أجهزة التنفس الصناعي، وهي حالة طبية نسبة الإفاقة منها والتعافي بعدها محدودة للغاية.

المجتمعات التي تعاني ظاهرة الأنوميا، يفتقد فيها الأفراد البوصلة الأخلاقية، وتتصاعد فيها معدلات الانحراف، وتفقد القيم والمعايير أهميتها، وتسيطر القيم المادية، وتتحول السلوكيات المستهجنة إلى نمط حياة يتم التفاخر به، وإلى سلوك مجتمعي مقبول ومرحب به.. في هذه المجتمعات، ترتفع نسب المكتئبين، والمتشائمين، والمتحولين من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين والعكس.. ويسود قانون مكيافيللي: “الغاية تبرر الوسيلة”، ويشعر كل فرد بأنَّه “مرجعية نفسه”.. في هذه المجتمعات، يكثر العنف بأشكاله المختلفة، وتزيد معدلات الانتحار، والغش، وتناول المخدرات، والانحلال، والتسرب من التعليم، والهجرة المشروعة وغير المشروعة، ويزيد شعور الأفراد بالعزلة، وبالوحدة، و”بقلة القيمة”، والهوان.. في هذه المجتمعات، كل شيء قابل للبيع بثمن بخس، وتُباع أشياء لم تكن معروضة، ولم تكن قابلة للشراء (هي أشياء لا تُشترى).. في هذه المجتمعات، تغيب القواعد الحاكمة، والمعايير المقبولة، ويخضع كلُّ شيء لمزاج السادة المسؤولين، ولرؤيتهم الذاتية، مهما كانت متعارضة مع الصالح العام، ومهددة لاعتبارات الأمن القومي، ومهما كانت مفسدة لمزاج المواطنين، ومحبطة للرأي العام..

والمؤكد، أنَّ المجتمعات لا تمر بهذه المرحلة بشكل عشوائي، ولا تحدث مصادفة، ولا تظهر عبثاً، وإنَّما هو “سقوط ممنهج”، و”إرباك متعمد”، و”اضطراب مقصود”، بهدف تحقيق مصالح معينة لبعض الأطراف الداخلية أو الخارجية، أو لهما معاً، ولمعرفة هذه الأطراف وأهدافها، يمكن تطبيق القاعدة الأمنية المستقرة في علم الجريمة “ابحث عن المستفيد، تعرف الفاعل”!

أعراض فقر الأخلاق على مستوى الأفراد

في نكستنا الجديدة، يمكن الإشارة إلى عشرة أعراض (مظاهر) رئيسة للأنوميا على مستوى الأفراد: –

أولاً: التشاؤم، واليأس، وسيطرة فكرة “مفيش فايدة”، وأنَّ الأحوال تتحول من سيء إلى أسوأ.. الحنين إلى الماضي، والخوف من المستقبل، والاعتقاد في أنَّ الأمس أفضل من الغد، وأنَّ الآتي أسوأ مما كانت الأوضاع عليه.. الفكرة المسيطرة حالياً أنَّه “ولا يوم من أيامك يا مبارك”.. المقارنات الدائمة بين أوضاعنا الحالية، وأوضاعنا في الفترة السابقة على الثورتين (2011- 2013) هي “شهادة فشل”، و”إقرار إخفاق” لهاتين الثورتين في تحقيق أهداف المصريين (عيش- حرية- عدالة اجتماعية)، وهي نفسها، مع اختلاف الصياغات، الأهداف التي بُشِّروا بها بعد ثورة يوليو 1952، ولم يتحقق أيٌّ منها بشكل مُرضٍ حتى الآن.

ثانياً: العجز، والشعور بعدم القدرة على تغيير الوضع الحالي، وبعدم قدرة الفرد على المشاركة في تحسين الواقع. وعلى عكس الشعور السائد أثناء ثورتي 25 يناير، و30 يونيو، بقدرة المصريين على التغيير إذا أرادوا (والميدان موجود)، يسيطر عليهم الآن شعور بقلة الحيلة، وبالخوف من أي تحرك، والشعور بالذنب، وبأنَّهم كانوا السبب فيما يحدث لهم حالياً (البطران عيشته قطران)!

ثالثاً: افتقاد المعايير، وضعف القيم الأخلاقية، وميل الأفراد إلى الانفلات الخلقي، والمعياري، كاستجابة للظروف الصعبة، أو للأزمات المتعددة. “من النهاردة مفيش حكومة، أنا الحكومة”!

رابعاً: التشيؤ، الاعتقاد في أنَّنا أصبحنا مجرد أشياء تخضع لمفهوم القيمة المادية.. فسعرك في سوق الأفراد هو ما يحدِّد قيمتك ومكانتك. وترددت عبارات مثل: “الفلوس.. الفلوس.. أهم حاجة في الدنيا الفلوس”!، و”أبيع نفسي لأول مشترٍ آتٍ”!، وغيرها.

خامساً: صعود قيم الفردية والنجاة الشخصية، والتحايل والازدواجية (يتعلم الناس أن يكونوا بأكثر من وجه)، والشك العام، والانعدام الأخلاقي، وسيطرة شعور “أنا ومن بعدي الطوفان”. قيم الانتماء لأسرة أو لجماعة أو لمؤسسة لم تعد لها قيمة، مقارنة بشعور الأفراد بذواتهم!

سادساً: الصدمة، وارتفاع مستوى الإحباطات كنتيجة لثورة التوقعات، والوعود التي لم تتحقق التي وُعِد المصريون بها خلال العقدين الماضيين، خاصة مع استمرار مبالغة وسائل الإعلام في إبراز إنجازات ضخمة، وفي وعد الأفراد بمكاسب مستقبلية كبيرة.. إضافة إلى انخفاض مستوى الثقة في الحكومة، وفي المسؤولين، وفي المؤسسات التابعة لها، والمعبِّرة عنها.

سابعاً: انتشار السخرية والنقد السلبي للحكومة وللنظام السياسي.. المصريون يحاربون الواقع السيء والسلطة الغاشمة بالنكتة.. طلب عبد الناصر من الشعب التقليل من النكتة بعد نكسته في 1967. وكانت النكسة سلاحاً للمقاومة الشعبية وللتنفيس في عصري السادات ومبارك.. النكت الحالية عن الحكومة ومسؤوليها صعبة الذكر، ودلالاتها مرعبة..

ثامناً: التطرف، ورِدَّة الفعل المبالغ فيها لدى الأفراد على الحوادث البسيطة.. والمبالغة في مشاعر الحب والكراهية، والاحترام والاحتقار، والعنصرية، والتنمر المبالغ فيه، والمبالغة في التعبير عن الانتماء الطبقي، والمظهرية المادية.

تاسعاً: الانسحاب من الشأن العام والانغلاق على الذات، واللامبالاة، وسيطرة فكرة “أنا مالي” على تفكير الأفراد، بغض النظر عن خطورة الأوضاع الحالية، وبغض النظر عن ضرورة الاصطفاف و”الالتفاف حول العَلَم”.. يظهر ذلك في انخفاض معدلات التصويت في الانتخابات، والتراجع الحاد في التعرض لبرامج الشئون الجارية، وسيادة الجهل الجمعي في كثير من الموضوعات المهمة.

عاشراً: سيادة صورة الدولة المُنهزمِة، والشعور بالخزي والعار الجمعي نتيجة الانتماء إلى دولة فاشلة، وأمة مهزومة.. نكسة الدولة هي هزيمة لخيال الأمة، وتدمير لنفسية المواطن.. هي نكسة في المعنويات والثقة والانتماء.. عبارة مصطفى كامل الخالدة “لو لم أكن مصرياً لوددتُ أن أكون مصرياً” لم يعد مُرحبَّاً بها عند كثيرين، وأصبح جواز السفر الأجنبي مصدر فخر لعدد كبير من مالكيه.

أعراض فقر الأخلاق على مستوى المجتمع

يمكننا الإشارة إلى عشرة أعراض (مظاهر) رئيسة لفقر الأخلاق على مستوى المجتمع وما يتصل به من منظمات وتكوينات مجتمعية على النحو التالي:

أولاً: انهيار المنظومة القيمية والثقافية: أثناء سنوات نكستنا الجديدة تراجعت الثقافة العامة، وساد الانهيار الأخلاقي، والعفن القيمي، والتحلل الفكري، وتم إنتاج منظومة ثقافية ليس لها أية مرجعية، وبرزت على السطح العبثية في أبرز صورها، والعدمية في أوضح تجلياتها.. في سنوات النكسة الحالية، ظهرت شخصيات طُفَيليَّة على السطح في كلِّ المجالات، وانحدر الذوق العام ووصل إلى الدرك الأسفل، وإلى قاع ليس بعده قاع.. في تصريح للرئيس السيسي (18 نوفمبر 2025)، أشار إلى أنَّه “أنا جيت في وقت كلّ حاجة كانت على الأرض، فنّ على الأرض، قيم على الأرض”!

ثانياً: افتقاد الأسرة لأهميتها، وارتفاع معدلات الطلاق والانفصال، وافتقاد المؤسسات الرسمية لأهميتها الرمزية.. ارتفاع نسب الطلاق في العقد الأخير لا يمكن تبريره بشكل كبير بغير مبررات النكسة الشاملة، وبغير الرجوع إلى الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشها المصريون.

ثالثاً: تآكل الطبقة الوسطى نتيجة الغلاء والتضخم وتآكل قيمة العملة، وتضخم الهشاشة الاقتصادية، واتساع الطبقات الهشة والمهمشة.. في سنوات النكسة الجديدة، أصبح قطاع كبير من الجمهور في مهبِّ الريح، وفي مواجهة الطوفان الكبير، حيث لا عاصم من أمر الله إلا من رحم.

رابعاً: غياب العدالة الاجتماعية وعدم تكافؤ الفرص، والتمييز في فرص العمل والتعليم والخدمات.. رفعت الحكومة يدها عن كثير من الخدمات التي كانت تقدمها، وأصبح الشعار الرسمي للدولة “هتدفع هوريك اللي عمرك ما شفته”، و”أنا معرفش حاجة اسمها ببلاش”.. وفي ظلِّ ارتفاع معدلات الفقر، أصبح معظم الشعب غير قادر على دفع ثمن الخدمات الأساسية.

خامساً: الاحتقان الاجتماعي، وانتشار العنف الرمزي والمادي، وزيادة معدلات الجريمة والعنف، والاحتقان الطبقي والطائفي.. وإن كانت، بالقياس إلى معدلاتها العالمية، في وضع مميز، (وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكي (أكتوبر 2025)، حين أبدى إعجابه بمعدل الجريمة المنخفض في مصر مقارنة بالولايات المتحدة).

سادساً: تفكّك الثقة بين الدولة والمجتمع، وغياب الثقة في مؤسسات الدولة، وشعور المواطن بعدم الانتماء للدولة، أو الإحساس بأنَّ أجهزة الدولة وحكومتها لا تمثِّله أو تهتم به، خاصة بين الشباب والمهمشين..

سابعاً: تآكل فعالية الأجهزة البيروقراطية والإدارية، وغياب الشفافية والمحاسبة.. وأصبح الشعار الأكثر بروزاً لكلِّ مسؤول: “أنا ربنا اللي هيحاسبني”! غابت المحاسبية البرلمانية، وبرزت الرقابة الإلهية على أعمال الحكومة وتصرفات المسؤولين!

ثامناً: عدم القدرة على تحقيق التوازن بين السلطة والعدالة، وعدم ضمان تماسك النسيج الاجتماعي، أو الحفاظ على شرعية الحكم من خلال الأداء والكفاءة.. في سنوات النكسة الجديدة، تنعدم شرعية الأداء، وتبرز شرعية القهر والعنف..

تاسعاً: ضعف مؤسسات العمل السياسي والنقابي: تفريغ النقابات والأحزاب من دورها الحقيقي، وهيمنة الدولة على النقابات أو إضعافها، وتحويل الأحزاب إلى كيانات صوريَّة لا تمثل مطالب الشعب، وجمود المجتمع المدني أو تضييق الخناق عليه..

عاشراً: انهيار المنظومة التعليمية، وتراجع مستوى التعليم العام والجامعي، وتدني الاهتمام به في قائمة اهتمامات الدولة، واعتباره عبئاً على الدولة يجب تخفيف الأحمال منه، وإنفاقاً زائداً يجب تقليصه..

حفظ الله مصر، وشعبها، وجيشها، وأعان رئيسها، الوطني المُخلِص، على اتخاذ ما فيه مصلحة العباد والبلاد من قرارات، وما تتطلَّبه النكسة الجديدة من سياسات، وإجراءات.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *