أشرف الخمايسي يبحر مع “غواص” ريم بسيوني

Read Time:6 Minute, 44 Second

أشرف الخمايسي يكتب:* 

وانا اقلِّب في التايم لاين ظهر لي منشور واحدة ست اسمها “ريم بسيوني”، حسيته اسم مش غريب على وداني، “سمعت عنه فين يا خمايسي؟” “سمعت عنه فين يا خمايسي؟” ما افتكرتش، قلت اقرأ المنشور يمكن افتكر.

وحصل.

كان المنشور عبارة عن فقرة من رواية مهرتها باسمها. عنوانها “الغواص”، فافتكرت إني سمعت عن الست دي فعلا باعتبارها روائية. بعد ما قريت الفقرة بحثت عن “ريم بسيوني” في “جوجل”، فاداني معلومات عنها مدهشة جدا، هي روائية مصرية، فازت بجائزة “ساويرس”، وفازت كمان بجائزة اسمها “نجيب محفوظ”، بس مش اللي بتنظمها الجامعة الأمريكية، وليها رواية مترجمة “إنجليزي”، وليها روايات عملت نوش في بعض جروبات القراءة.

دي كاتبة روائية مهمة بأه.

قلت اتعرف على عناوين رواياتها، فاكتشفت إنها في الغالب روايات تنتمي أحداثها للتاريخ الإسلامي.

وماله.

نقرا الفقرة، ونشوف إذا كانت “ريم بسيوني” روائية بالفعل، أم مجرد كاتبة كلشينكان تفوز بالجوائز لاعتبارات أخرى.

وآدي المقطع، نسخته نسخا عشان نقراه سوا مع بعض، فاقرأوا بهدوء وتأن من فضلكم.

“✍🏻” قالت في صوت لاهث: أعرف أنني السبب في قرارك.

جفل ، ثم قال مسرعًا : لا ، لستِ السبب.

ارتجفت، ثم قالت وهي تتحاشى النظر إلى عينيه، ولكن قلبها على مسمع منه: ربما أغواني الأمل بعض الشيء فأصبحت ألملم أشياء لا حاجه لي بها ؛ ذهب وأحجار وملابس. كان لابد أن أترفع عن هذا ، فأنا زوجة الإمام. وربما أيضًا ضايقتك بغيرة لا داعي لها، كنت صغيرة ولا خبرة لي. أعطني فرصة واحدة..

أمسك بيديها الاثنتين، ضغط عليهما، ثم قال : لا ذنب لك. أريدك أن تفهمي ما يجول بخاطري، لا أفهمه أنا نفسي. لم أعد أعرف مَنْ أكون.

استغاثت بالكلمات من فزعها ، قالت : لا تقل هذا . أرجوك لا تقل هذا .

لك حق أن تشمئز مني، ومن أختي، لك كل حق ، ولكن لا ذنب لنا، لم نكن نعرف حقيقة صالح. أنت تعرف هذا . ربما مشكلة صالح تؤرقك ، ربما تؤثر على منصبك ، أفهم ذلك . اطلب مني أي شيء، ولكن لا ترحل.

قاطعها : توقفي . لا علاقة لك بما يعذبني ، ولا لأختك، ولا لصالح . هو شأن داخلي يا ثريا . اهدئي لتفهمي .

رواية الغواص ابو حامد الغزالي #ريم_بسيوني “.

قارئ الروايات المثالي، العقر، المخضرم، الذواق، هيقفل من الفقرة بعد أول كلمة منها بدون مبالغة.

بعد الكلمة الأولى؟!!

آه والله بعد الكلمة الأولى.

ليه؟ ماذا بعد هذه الكلمة الأولى اللعينة؟

“في صوت لاهث”… الكلمة الأولى: “”قالت”.. والجملة على بعضها: “قالت في صوت لاهث”.

هل لا مؤاخذة الصوت حاجة بتتلبس عشان تكتب : قالت “في”؟!

يجرى حاجة لو كتبت: قالت “بـ”… “قالت بصوت لاهث”؟

ثم ليه الصوت “لاهث”!؟

هل كانت بطلة الفقرة تجري، أو تركض، عشان تتكلم بصوت “لاهث”؟

أبدا.

هي بس “ريم” عايزة تحسسنا إن شعور البطلة كان ملتهبا درجة صوتها بقى “لاهث”، وده وصف للصوت، في مثل هذه الحالة الشعورية، غير صحيح بالمرة، إذ كلنا مررنا بلحظات التهبت فيها مشاعرنا مع ذلك لم نتكلم مطلقا بصوت “لاهث”! قد “يخفق” الصوت بخفقان القلب، وقد “يخفت”، لكنه لا “يلهث”.

طيب.. وبعدين؟

البطل سمع الصوت اللاهث، راح “جفل”.

“الجفول” في القاموس العربي هو حركة جسدية خاطفة ناجمة عن شعور بالخوف أو الفزع، فزع سببه مطاردة وحرص على الحياة، “يجفل” يعني “يهرب”، أو “ينفر”. وليس هذا توصيف رد فعل البطل الذي قصدت “ريم” التعبير عنه بكلمة “جفل”. هي حبت تصور البطل وقد “فاجأه”، أو “أدهشه”، أو “باغته” كلام البطلة “اللاهث” فاختارت كلمة أبعد ما تكون عن تصوير هذا الشعور، بل العكس، حولت المشهد “اللاهث” لموقف كاريكاتوري.

وبعدين؟

وبعدين : “قال البطل مسرعا”.

من حقي أستعجب، وأقول لنفسي: هو البطل “قال مسرعا” ليه؟ إيه اللي أسرعه عشان يقول مسرعا؟! تكونش “ريم” قاصدة تكتب: “قال مستنكرا” فجات غصب عنها “مسرعا”!؟

فلما البطل قال مسرعا حصل إن البطلة “ارتجفت”.

يادي النيلة!

إيه اللي أرجفها البطلة يا جماعة؟ يمكن “صدمة” جامدة واللا إيه؟! مع إن ده مش باين خالص في “الحوار” ولا في “السرد”.

هكذا كلمة “ارتجفت” أوضحت أن “ريم” بتكتب لحد دلوقتي مشاعر كاريكاتورية، السطرين دول من الفقرة بيدلدقوا افتعال ولا مصداقية.

وبعدين.. زهَّقتِنا!

وبعدين تتجلى قدرات “ريم” البارعة في طهي “المهلبية” داخل مطبخ الرواية “المصرية”، وبعدين مصيبة من المصايب يا “زينبو” ابتلانا بها ربنا في شكل نساء يكتبن روايات.

كتبت “ريم”: “ثم قالت وهي تتحاشى النظر إلى عينيه، ولكن قلبها على مسمع منه: ربما أغواني الأمل بعض الشيء…”..

خلينا نضرب طناش عن “إلى عينيه”، اللي الأفضل تكون “في عينيه”، أو حتى “لعينيه”، ونروح نبص في باقي الجملة.

لو بصينا كويس بصفتنا قراء مثاليين لا بد هنسأل نفسنا: هو يا “ريم” حضرتك قصدتي إيه لما قلتي بتتحاشى النظر لعينيه ولكن قلبها على مسمع منه؟! أنا والله ما فاهم انتي قصدتي إيه؟! هل تقصدي إنه كان هايسمع عينيها فلما تحاشت النظر إليه تكلم قلبها بدل عينيها فسمع قلبها؟ طيب صوتها “اللاهث” راح فين؟!

طيب عيناها، أو قلبها، أو صوتها اللاهث،أيا كان اللي اتكلم، اتكلم قال إيه؟

قال: “ربما أغواني الأمل بعض الشيء”.

حرام عليكي يا ست “ريم” والله!

“الغواية” دي شعور طاغ، متدفق، حار، ملتهب، كثيف، كأنه الحمم البركانية، أو انهمار السيول وانغمار الفيضانات، فما ينفعش نقول “تدفقت السيول بعض الشيء”، أو “تدحرجت الحمم البركانية بعض الشيء”. “الغواية” شعور اجتياح هادر، فـ”أغواني الأمل بعض الشيء” جملة تصرخ بأن كاتبها لا بد روائي ربع لبة، كلشينكان، لا يقدر جوهر المشاعر نظرا لعدم معرفته كنهها، هو كاتب مُصطَنع بقراءات سطحية ركيكة، أو أن آلته الإبداعية صيني فرز تالت لا تجيد القراءة، ومن ثم إذا كتب يكتب ما يقرفنا.

طيب يا عم الحفلوط هل لك مآخذ أخرى؟

يوووووه.. كتيييير.

خد دي مثلا: “أمسك بيديها الاثنتين”.

إيه لازمة “الاثنتين” دي؟! هل للبطلة أربع أيادي فحين أمسك بيدين منها فقط كان ضروريا لفت انتباه القارئ لذلك؟!

ما تقولي: “أمسك بيديها” وخلاص.

وبعد ما أمسك بهما ما تعرفش ليه “ضغط عليهما”!؟

هو البني آدم مننا ما يعرفش يكلم حد إلا لما يمسك إيديه، وكمان يضغط عليهما؟!

هذا المسلك “المحين” لم يكن موجودا بالأصل في تاريخنا القديم، حيث كانت للرجل “هيبة” تحفظه من أن “يمحن” على نفسه، وللمرأة “حياء” يمنعها من ذلك أيضا، لكن نقول إيه! “المحن” دلوقتي أسلوب حياة، روايات ومسلسلات وأفلام ومسرحيات هذا الزمان لا بد من أن تكون محينة، ممحونة، ماحنة، محنا.

ثم “بعد أن ضغط على يديها الاثنتين” قال جملة هي العجب العجاب والله، قال: “لا ذنب لك. أريدك أن تفهمي ما يجول بخاطري، لا أفهمه أنا نفسي..”.

يا ست “ريم” الله يرضى عنك: لما بطل روايتك، بذات نفسه، مش فاهم ما يجول بخاطره، بيطلب من البطلة تفهمه ازاي!!

فطبعا الموضوع كان صعب جدا على البطلة درجة إنها “استغاثت بالكلمات من فزعها”.

وهنا لا بد من وقفة قصيرة، نلفت الانتباه فيها إلى شيئ دقيق من فنيات كتابة الرواية بحكم خبرتي.

الرواية سرد وحوار.

الحوار لا بد يكون مناسبا لأجواء الرواية، مع ذلك لا بد لغته تفرق عن لغة السرد. زي كده الفيلم السينمائي، الحوار فيه لغة “أشخاص”، أما السرد فهو “الموسيقى التصويرية” ولغتها الألحان.

قد يلزم في الرواية أن يكون سردها فصيح جدا، لكن ليس هذا بالضبط ما يلزم حواراتها. لغة الحوار المفروض تكون فصيحة نص نص.

هو فيه حاجة اسمها “فصيحة نص نص”.

أيون طبعا. ما هو لو انت متخيل إن العرب قديما كانوا يتكلمون بهذه الفصاحة التي تقرأها، أو بهذا الجرس الي تسمعه من المتفصحين، تبقى علطان جدا. كان دائما هناك “لهجات”، ودائما هناك أشخاص لكل واحد منهم طريقته الخاصة في نطق الكلام الفصيح. فلازم الحوار يعبر عن هذه الخصوصية، وإلا يتشابه رتم الرواية، فتسقط سقوطا مزريا.

لما كتبت “ريم”: “استغاثت بالكلمات من فزعها”، كانت كأنها بتعمل الخلفية الموسيقية للحوار. ما هو مش معقول يظل الحوار رايح جاي رايح جاي دون وصلة سردية! فحبت تعمل الوصلة السردية، فخرجت منها بالشكل ده، وصلة نشاذ سردي وعك منقوع.

يعني إيه “استعاذت بالكلمات من فزعها”!

الطبيعي الإنسان إذا تحاور فإنه “يتكلم”، الكلمات ليس قوة “إعاذة”، إنها في الغالب الساحق قوة “تعبير”.

وعشان أثبت لك إن الجملة دي سياق سردي بالغ الافتعال بص معايا “ريم” كتبت إيه بعدها.

كتبت: “قالت”…

والمعروف أن من “يستغيث” لا يقول، إنه “يصرخ”، “يهتف”، “يئن”، لكن “يستغيث” ثم يقول!!

بالأخير الفقرة بأكملها “مسطحة” جدا، أدب بارد غير حقيقي، مصطنع، تكتبه امرأة فاقدة القدرة على التعبير عن لب المشاعر وجوهرها، تتعامل مع الكلمة باعتبارها موصل “جامد”، لا خلية “حية”. شيء خارج الإبداع، لا أحد أهم الأعضاء الحية للإبداع.

الفقرة كاشفة إلى أي مدى سقطت رواية “الغواص” بأكملها، بل كتابة “ريم بسيوني” كلها في قاع الأكليشيهية، والتناول الغاية في التسطيح.

ثم يكافئ المجتمع الثقافي هذه الكتابة بالجوائز والتقدير، لا لشيء سوى أن ريم بسيوني “أستاذة” في الجامعة الأمريكية، و”امرأة” شكلها فخيم واجهة حلوة للست المصرية اللي لازم، وحتما، ولا بد، تكون “مبدعة”، لاجل ما ننساق مع الموجة الفيمنستية بنت اللذينة.

* روائي مصري

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *