بلاغة الإستحقاق .. قراءة في سوسيولوجيا الإنتخاب وتجليات “الزراع” الإبداعية

Read Time:2 Minute, 1 Second

بقلم : د. محمد جمال الدين 

​لا تمثل الإنتخابات في تجلياتها العميقة مجرد آلية إجرائية لفرز الأصوات، بل هي إستفتاء وجداني يعكس وعي الجماعة الثقافية بذاتها، واختبار حقيقي لموازين القيم داخل البناء المجتمعي، وحين يعتلي الكاتب والشاعر الكبير عبده الزراع صدارة المشهد الإنتخابي في نتيجة اتحاد كتاب مصر، والتي أقيمت أمس الجمعة بأعلى الأصوات، فنحن لسنا أمام فوز رقمي عابر، بل نحن بصدد ظاهرة إعتراف جمعي، تتجاوز الشخص لتستقر في جوهر القيمة، إذ تمثل اللحظة التي يلتقي فيها التاريخ الشخصي الحافل بالعطاء مع تطلعات النخبة، لتصيغ بياناً بليغاً في لغة الثقة والإستحقاق.

ومن زاوية أخرى ف​لطالما كان أدب الطفل هو الفلسفة الأولى التي تُشكل وعي الأمم، ولقد أدرك عبده الزراع هذه الحقيقة مبكرًا، فلم يتعامل مع هذا الجنس الأدبي بوصفه ترفاً، بل بوصفه مشروعاً حضارياً، وعليه فإن ريادته في هذا المجال، تنبع من قدرته الفائقة على تطويع اللغة لتلائم براءة التلقي، دون التفريط في عمق الطرح وموسوعية البحث، إضافة إلى ذلك لم يكتف الزراع بكونه شاعراً ينسج الأحلام للصغار، بل كان باحثاً يفكك شفرات هذا الأدب، متقصياً جذوره وآفاقه.

​ومن خلال رئاسته للجنة الطفل باتحاد كتاب مصر، استطاع تحويل العمل الثقافي من الجهد الفردي إلى الفعل المؤسسي، عبر المؤتمرات والفعاليات التي أعادت لأدب الطفل هيبته في المشهد الثقافي المصري والعربي

كما يمثل عبده الزراع نموذج لثنائية المبدع والإنسان، ف​في الفلسفة الأخلاقية، يُقال إن الموهبة بلا خُلق هي طاقة بلا اتجاه، وما ميز مسيرة عبده الزراع هو ذلك التماهي المطلق بين نبل الكلمة ونبل السلوك، إذ إن إلتفاف الجمعية العمومية حوله بهذا الزخم، يبرهن على أن المثقف الحقيقي هو من يمتلك رأس مال رمزياً، قوامه الإستقامة ودعم المواهب الشابة بغير منٍّ ولا إستعلاء، ف​لقد كان الزراع ولا يزال دائماً جسراً تعبر عليه المواهب الحقيقية، مؤمناً بأن استمرارية الإبداع تكمن في تداول الخبرة ورعاية البذور الجديدة، وهو ما جعل من فوزه صرخة في وجه التشيؤ، وانتصاراً للقيم الإنسانية التي يجب أن تسكن روح الكاتب قبل قلمه.

​إن تصدر عبده الزراع للمشهد الانتخابي هو في حقيقته برهان ساطع، على أن النزاهة الفكرية والعمل الدؤوب لا يضيعان سدى في ذاكرة الجماعة، إنها رسالة فحواها أن الجمهور الثقافي يمتلك من الفطنة ما يجعله ينحاز للأصالة لا للإدعاء، وللإنجاز لا للضجيج، ف​هنيئاً لإتحاد كتاب مصر هذا الإختيار الذي أعاد ترتيب الأولويات، وهنيئاً لأدب الطفل برائد لم يزده الفوز إلا مسؤولية، ولم تزده القمة إلا تواضعاً، فنحن اليوم لا نحتفي بفوز كاتب، بل نحتفي بانتصار القيمة، وإستعادة الروح، وتكريس النموذج والمثال، في زمن أحوج ما نكون فيه إلى زراع يغرس الجمال في قفار الأيام.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *