د. نبيلة حسن .. تعيد لأكاديمية الفنون ذاتها
بقلم : محمد جمال الدين
بدا المشهد منذ أن تولت الدكتورة نبيلة حسن رئاسة أكاديمية الفنون قبل أيام قليلة، وكأن مؤسسة عريقة تسترد نبضها، وكأن جسداً ثقافياً كبيراً قرر أن ينهض من إرهاقه الطويل ليعلن عن صحوة طال انتظارها، لم يكن الأمر مجرد انتقال إداري في موقع قيادي، بل بدا في جوهره انتقالاً في الرؤية، وتحولاً في الفلسفة، وإعلاناً عن ثورة تصحيح تتجاوز الشعارات إلى الفعل الملموس.
إن المؤسسات الكبرى لا تموت، لكنها قد تمر بلحظات وهن تتراكم فيها الاختلالات، وتتسلل إليها مظاهر الشللية والمحسوبيات، فيضعف ميزان العدالة وتبهت صورة الريادة، غير أن التاريخ يُثبت أن لحظة الوعي القيادي القادرة على الجمع بين الحزم والرحمة قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها، هكذا بدا المشهد في أكاديمية الفنون، إذ اتضح منذ اليوم الأول أن القيادة الجديدة لا تنوي إدارة الواقع كما هو، بل إعادة تشكيله وفق القانون وروح القانون، فمنذ الساعات الأولى لتوليها المسؤولية، أعلنت الدكتورة نبيلة حسن بالفعل قبل القول أن معيار المرحلة هو الاستحقاق، مع تطبيق القانون بحسم، لكن دون قسوة، أي برحمة القانون دون تفريط في هيبته، فبدأت عملية مراجعة دقيقة للأوضاع الإدارية والأكاديمية في مختلف المعاهد والفروع والمدارس التابعة للأكاديمية، في مسعى لإصلاح أي عوارٍ إداري أو تنظيمي تراكم في الآونة الأخيرة.
لم تكن قراراتها الدكتورة نبيلة حسن منذ تولت المسئولية انفعالية أو ارتجالية، بل اتسمت بالتدرج المنهجي، فوضعت كل شخص في المكان اللائق به وفق كفاءته وخبرته، وأعادت ترتيب الأولويات بما يضمن انسياب العملية التعليمية والفنية دون عوائق، وهنا تتجلى إحدى أهم سمات القيادة الحكيمة، بمعنى القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، دون تردد، ودون استعراض، والقضاء على الشللية، واستعادة مناخ العدالة، إذ أن أخطر ما يصيب أي مؤسسة تعليمية انتشار ثقافة المحسوبية والشلة، إذ تتحول الكفاءة إلى معيار ثانوي، ويغيب الشعور بالأمان الوظيفي والعدالة، وقد بدا واضحاً أن هذه الظاهرة كانت في صدارة ما سعت الدكتورة نبيلة إلى معالجته.
يتضح عبر تاريخ الدكتورة نبيلة حسن القيادي في كل المواقع التي تولتها أن سياستها الضرب بيد من حديد على كل ما يعيق العمل، والآن وفي موقعها الجديد ضد كل ما يعيق العملية التعليمية، من خلال مراجعة التكليفات، وتصحيح المسارات، وإعادة توزيع الأدوار، بما يعيد الثقة إلى أبناء الأكاديمية من طلاب وأساتذة وعاملين. حالة من الرضا هي مقدمة النتائج الأولية منذ تولت الدكتورة نبيلة حسن رئاسة الأكاديمية، فهناك حالة رضا عامة وإحساس متجدد بالأمان في عهد يضع مصلحة المؤسسة فوق أي اعتبار شخصي، وفي ظل قيادة تعمل ليل نهار
ليست سعيا إلى لقباً، بل هو مبدأ وفعل يومي متواصل، ومن يتابع حركة الأكاديمية في هذه الأيام يلحظ بوضوح أن رئيستها تعمل بطاقة استثنائية، حضوراً ومتابعة وتواصلاً مع جميع القطاعات، فهي لا تكتفي بإصدار القرارات، بل تتابع تنفيذها، وتسعى لسد احتياجات المعاهد والفروع والمدارس، وتلبية متطلبات العملية التعليمية والفنية في آن واحد.
هذا التوازي بين الإصلاح الإداري وتنشيط الفعاليات الثقافية والفنية يعكس رؤية شمولية، فالأكاديمية ليست مجرد قاعات دراسة، بل منابر إبداع ومختبرات ثقافة ومهرجانات وعروض تُعيد لها رونقها وبريقها، ومن هنا جاء تفعيل الأنشطة والفعاليات والمهرجانات بوصفه جزءاً أصيلاً من خطة الإنعاش، علاوة علي ذلك يمكن إطلاق قيادة الدكتورة نبيلة حسن للأكاديمية كقيادة رشيدة، إذ تدرك أن النجاح لا يُبنى بقرار فردي، بل بفريق كفء لذا حرصت الدكتورة نبيلة على اختيار مستشارين من القامات العلمية والثقافية والفنية والفكرية، أصحاب الخبرة والرؤية، ليكونوا شركاء في صناعة القرار، وهذا الاختيار لم يكن مجاملة، بل تأكيداً على أن الأكاديمية يجب أن تُدار بعقولها الكبيرة، وأن تُستثمر خبراتها المتراكمة في رسم المستقبل، وهنا تتجلى سمة أخرى من سمات القيادة الحكيمة، وهي الإيمان بالمؤسسية، وتغليب العقل الجمعي على النزعة الفردية.
إن ما يُطمئن أبناء الأكاديمية ليس فقط ما يحدث الآن، بل أيضاً التاريخ المهني المشرف للدكتورة نبيلة حسن في كل المناصب التي تولتها من قبل، حيث ارتقت بالمواقع التي أدارتها، وحققت فيها نقلة نوعية قائمة على الانضباط والتطوير والتحديث،
فهي شخصية تجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة الإدارية، وبين الحس الثقافي والرؤية الاستراتيجية، مما يجعلها قادرة على قراءة المشهد قراءة تحليلية دقيقة، لا سطحية ولا آنية، وهذا التراكم المعرفي والمهني هو ما يمنح قراراتها ثباتاً وشرعية، ويجعلها قادرة على مواجهة محاولات التشويش التي اعتادت أن ترافق كل مشروع إصلاحي حقيقي، فمن طبيعة كل إصلاح أن يواجه مقاومة، ومن طبيعة كل قيادة حازمة أن تتعرض لمحاولات تعطيل أو تشكيك، غير أن الإرادة الصلبة التي تُدار بها المرحلة الحالية توحي بأن مسار التصحيح لن يتوقف، والعزم على إصلاح كل ما يمكن إصلاح وسد الثغرات، واستعادة المكانة التاريخية للأكاديمية، يبدو هدفاً استراتيجياً لا يخضع لمزاج اللحظة، فالمشروع هنا ليس إدارة أزمة عابرة، بل إعادة بناء ثقة وهوية.
إن ما تشهده أكاديمية الفنون اليوم ليس مجرد تحسن إداري، بل محاولة جادة لاستعادة الذات المؤسسية التي صنعت تاريخها وريادتها، فالقيادة الحكيمة لا تكتفي بإطفاء الحرائق، بل تُعيد ترتيب البيت من الداخل، وتبني منظومة قادرة على الاستمرار، وفي عهد الدكتورة نبيلة حسن، يتشكل أفق جديد عنوانه، الجهد والعمل من أجل أكاديمية الفنون وطلابها وأساتذتها، وإعادة الريادة لمؤسسة كانت وستظل منارة للإبداع العربي.
إنها لحظة فارقة بين زمن التراكمات وزمن التصحيح، بين الارتباك والوضوح، بين الشللية والمؤسسية، وإذا استمرت الإرادة على هذا النهج، فإن الأكاديمية لن تعود فقط إلى ما كانت عليه، بل قد تتجاوز ذلك إلى أفق أرحب، يليق بتاريخها ويستجيب لتحديات عصرها.

Average Rating