“المسرح خارج الخشبة”.. عليوي يُقارب الكتابة والنقد  بوصفها صناعة الذاكرة

كتبت : رنا رأفت

قَدمَ الناقد المسرحي العراقي د. بشار عليوي مُحاضرةً بعنوان (المسرح خارج الخشبة: الكتابة والنقد والتوثيق وصناعة الذاكرة) على قاعة المكتبة الأدبية المُختصة في مدينة النجف, مساء يوم الثلاثاء الموافق 18/8/2026, في مقاربة تنظر إلى المسرح أبعد من حدوده الأدائية وفعل العرض المباشر, وشهدت المُحاضرة التي أدارها الشاعر “معن غالب سباح”, حضوراً نوعياً من قبل أُدباء ومًثقفي ومسرحيي مدينة النجف, وفي مُستهل المحاضرة, قرأ جميع الحاضرين سورة الفاتحة ترحماً على روح المُخرج المسرحي العراقي والعربي الكبير د. صلاح القصب الذي توفي في بغداد قبل أيام قلائل عن عُمر ناهزَ الـ80 عاماً بعد مسيرة ثرة قدمَ خلالها عروضاً مسرحياً فريدة حملت إتجاهاً أصبح علامة بارزة في المسرح العربي هوَ “مسرح الصورة”.

ثُم بدأ د. عليوي محاضرتهِ بالتساؤل : ماذا يبقى من العرض المسرحي حين ينتهي؟ مدخلاً لمناقشة علاقة المسرح بالكتابة والنقد والوثيقة والذاكرة الثقافية, وانطلق د. بشار عليوي من الطبيعة الزائلة للعرض المسرحي, بوصف المسرح فناً يولد وهو مهدد بالغياب؛ فبخلاف الرواية والقصيدة واللوحة والفيلم, يرتبط العرض بلحظة حية تنقضي بانتهاء اللقاء بين الممثل والمتلقي, حتى إن تسجيله بالصورة لا يعيد إنتاج تلك اللحظة نفسها, وإنما يحتفظ بأثر منها. ومن هنا, رأى أن المسرح يعد من أكثر الفنون حاجة إلى الذاكرة, وأن جانباً مهماً من تاريخ المسرح العراقي لم يتعرض للنسيان بسبب غياب التجارب, بقدر ما ارتبط ذلك بغياب آثارها ووثائقها وصورها وبرامجها والشهادات المتعلقة بصنّاعها.

وتوقف د. بشار عليوي عند الكتابة بوصفها حياة ثانية للمسرح, إذ يمتلك العرض حياته الأولى فوق الخشبة, فيما تمنحه المقالة والدراسة والبحث والكتاب إمكانية الاستمرار خارج زمنه المباشر. واستعاد في هذا السياق جانباً من تجربته البحثية في الاشتغال على المسرح العراقي والمسرح الكردي ومسرح الشارع ومسرح الأقليات, مؤكداً أن الكتابة عن المسرح لم تكن بالنسبة إليه نشاطاً هامشياً, وإنما محاولة لقراءة الظاهرة المسرحية في صلاتها بالمجتمع والإنسان وتحولاتهما الثقافية والسياسية والاجتماعية.

وفي محور النقد المسرحي, شدد د. بشار عليوي على أن النقد لا يمكن اختزاله في إبداء الرأي أو الحضور في الندوات والمنصات الإعلامية, وإنما يقوم على الموهبة والثقافة والحرفة والرؤية, إلى جانب المعرفة بالاتجاهات المسرحية ومناهج النقد وآليات اشتغال النص والعرض. وذهب إلى أن هوية الناقد تتجسد أساساً في منجزه النقدي التطبيقي المنشور, وقدرته على تحليل الظاهرة المسرحية من منظورات معرفية وجمالية متعددة.

واحتل التوثيق مساحة مركزية في المحاضرة, إذ وصفه د. بشار عليوي بأنه “فعل ثقافي” وليس مجرد إجراء إداري, مشيراً إلى أن صورة قديمة, أو برنامج عرض, أو ملصقاً, أو خبراً صحفياً, أو رسالة, أو تسجيلاً صوتياً, يمكن أن يتحول بعد عقود إلى مصدر بالغ الأهمية للباحث.

وتوسعت المحاضرة في مفهوم صناعة الذاكرة, مؤكدة أن توثيق المسرح يعني, في الوقت نفسه, توثيق المجتمع والمدن وتحولاتها. فحين يُستعاد عرض قُدّم في بغداد أو النجف أو البصرة أو الموصل أو الحلة قبل عقود, فإن ما يُستعاد ليس أسماء صانعيه فحسب, وإنما جانب من صورة المدينة والإنسان والسياق الثقافي لذلك الزمن. وهنا ميّز عليوي بين الذاكرة والحنين إلى الماضي؛ فالحنين قد يعيد تشكيل الماضي بصورة أكثر جمالاً, بينما تحاول الذاكرة النقدية فهمه كما كان, وصولاً إلى قراءة الحاضر بصورة أكثر وعياً.

كما أثار د. بشار عليوي إشكالية المركز والهامش في كتابة التاريخ المسرحي, متسائلاً عن التجارب والأسماء التي تدخل التاريخ, وتلك التي تبقى خارجه بسبب ضعف حضورها الإعلامي أو وقوعها بعيداً عن المؤسسات والمراكز الثقافية الكبرى. وأكد أن من مسؤوليات الباحث والناقد الذهاب إلى المساحات التي لم يصل إليها الضوء, وعدم اختزال تاريخ المسرح في مجموعة محدودة من المدن والأسماء والتجارب.

وفي الجانب العملي, دعا المحاضر الشعراء والأدباء والفنانين إلى بناء أرشيفاتهم الشخصية, وحفظ المخطوطات والصور والبرامج والملصقات وتواريخ المشاركات وأسماء المشاركين, محذراً من الخلط بين التخزين والتوثيق؛ فمئات الصور التي تخلو من التاريخ والأسماء والمكان والسياق تظل مادة ناقصة القيمة التوثيقية. كما دعا الفنانين إلى كتابة تجاربهم وذاكرتهم, بما فيها البدايات والبروفات والصعوبات والإخفاقات والأشخاص الذين عملوا في الظل, لأن التاريخ الثقافي لا يصنعه المشاهير وحدهم.

وخلصت المحاضرة إلى أن المسرح, وإن كان مؤقتاً في شكله, يستطيع أن يكون دائماً في أثره؛ فهو يستمر في الكتاب والصورة والوثيقة والمقالة, وفي ذاكرة الممثل وشهادة المخرج وعين الناقد وسؤال الباحث وذاكرة المتلقي. ومن هنا, فإن انطفاء أضواء الخشبة لا يعني نهاية العرض بقدر ما يمثل, وفق رؤية المحاضرة, اللحظة التي تبدأ منها صناعة ذاكرته.

تلا ذلكَ فتح باب الحوار والمُناقشة, شاركَ فيها عدد من الحاضرين أبرزهم د. مهند مصطفى جمال الدين والفنانين هيثم الرفيعي و ايثار الفضلي والشاعر معن غالب سباح ود. حامد العزام والفنان رافد الياسري, ثُم تم تكريم د. بشار عليوي من قبل إدارة المكتبة عن تقديمهِ لهذهِ المُحاضرة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *