لم تعد الحرب الأمريكية الإيرانية حربًا بين واشنطن وطهران بالمعنى التقليدي، فقد تجاوزت حدود الصراع الثنائي لتتحول إلى مواجهة على النظام الإقليمي كله، وعلى من يملك مفاتيح الجغرافيا الاستراتيجية في الخليج والبحر الأحمر. فمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية، لم يعد مجرد ممر مائي، وباب المندب لم يعد مجرد بوابة جنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس؛ كلاهما أصبح ورقة سياسية وعسكرية في صراع إعادة تشكيل موازين القوى. والمشهد الأكثر خطورة أن اضطراب هرمز يتزامن مع التقدم الكبير للحوثيين على الساحل اليمني ووصولهم إلى مواقع استراتيجية عند مدخل باب المندب، بما يجعل واشنطن أمام معادلة لم تكن تريدها: جبهة إيرانية في الخليج، وجبهة حوثية في البحر الأحمر، ومساران بحريان حيويان يمكن أن تتحول السيطرة أو التهديد بتعطيلهما إلى سلاح يتجاوز أثره حدود المنطقة إلى الاقتصاد العالمي كله. وتؤكد بيانات الملاحة الأخيرة أن حركة السفن في هرمز لا تزال أدنى بكثير من متوسطها المعتاد، فيما تسببت التطورات على الساحل اليمني في ضغوط متزايدة على الملاحة في باب المندب.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس هل تستطيع الولايات المتحدة مواصلة الحرب، ولا هل تستطيع إيران مواصلة الصمود، وإنما: إلى أين يمكن أن تقود هذه الحرب إذا عجز الطرفان عن تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية؟ هنا تظهر المفارقة الكبرى؛ فبينما تتبادل واشنطن وطهران رسائل التصعيد، فإن قنوات التفاوض لم تنقطع. وقد جرت بالفعل اتصالات غير مباشرة بين الطرفين في نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وناقش الجانبان إمكان إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، فيما طرحت طهران استعدادًا لإعادة فتح المضيق مقابل تخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار الأمريكي. لكن هذا المسار لم يتحول بعد إلى اتفاق، إذ لا تزال المسافة واسعة بين مطالب الطرفين. وهذا يعني أن المنطقة تقف في لحظة شديدة السيولة: الدبلوماسية موجودة، ولكنها تجري تحت ظل المدافع والطائرات والسفن، وكل طرف يريد أن يدخل غرفة التفاوض وفي يده أكبر قدر ممكن من أوراق القوة.
السيناريو الأول، وهو سيناريو التسوية، لا يعني بالضرورة نهاية الصراع الأمريكي الإيراني، وإنما قد يعني وقف الحرب عند حدود معينة وإعادة إنتاجها سياسيًا بصيغة جديدة. وقد تبدأ الصفقة بوقف متبادل للعمليات، وفتح تدريجي لهرمز، وتخفيف القيود على الموانئ الإيرانية، ثم الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيدًا، في مقدمتها البرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي. وفي المقابل يصبح باب المندب جزءًا من الصفقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأن استمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر سيجعل أي اتفاق حول هرمز ناقصًا وهشًا. وتبدو أهمية هذا المسار في أن أطرافًا دولية وإقليمية بدأت تدفع في اتجاه التسوية؛ فقد دعت موسكو والرياض إلى ضمان المرور الآمن عبر هرمز وباب المندب، وأكدتا أن الحل السياسي والدبلوماسي هو الطريق المطروح لإنهاء الأزمة. كما أن الصين، صاحبة المصالح الاقتصادية الهائلة في المنطقة، دخلت على خط الاتصالات داعية إلى ضبط التصعيد وإعادة فتح هرمز.
لكن السيناريو الآخر أكثر خطورة: فشل التفاوض وتحول الحرب إلى مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات. وفي هذه الحالة لن يكون السؤال متعلقًا بإيران وحدها، وإنما بمقدار ما تستطيع واشنطن تحمله إذا أصبح هرمز وباب المندب في وقت واحد تحت ضغط عسكري وسياسي. إن السيطرة الحوثية المتنامية على أجزاء من الساحل اليمني تمنح أنصار الله ورقة استراتيجية غير مسبوقة في البحر الأحمر، وقد وصفت تقارير دولية التطورات الأخيرة بأنها تهديد متزايد لأمن الملاحة ولصادرات النفط السعودية. وإذا قررت الولايات المتحدة توسيع الحرب لتأمين الممرات بالقوة، فقد تجد نفسها أمام حرب لا تتحدد جبهتها في الخليج وحده، بل تمتد من هرمز إلى البحر الأحمر، ومن اليمن إلى الخليج، مع احتمال انتقال الضربات إلى المنشآت النفطية والموانئ والقواعد العسكرية في عدد من دول المنطقة. عندها لن يكون إغلاق الممرات البحرية مجرد تكتيك عسكري، بل سيتحول إلى أداة لإعادة توزيع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي.
أما الموقف الدولي، فلن يكون موحدًا في الحالتين. ففي حالة التسوية ستسعى أوروبا إلى تثبيت وقف إطلاق النار وحماية الملاحة وتأمين إمدادات الطاقة، بينما ستدفع الصين باتجاه الاستقرار باعتبارها من أكثر القوى ارتباطًا تجاريًا بالطاقة والتجارة الآسيوية، وستحاول روسيا الحفاظ على موقعها كطرف قادر على التأثير في الترتيبات الأمنية الجديدة. أما الأمم المتحدة فستواجه مهمة إعادة الاعتبار للدبلوماسية الدولية بعد أن تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة لاختبار القوة. وفي حالة الحرب المفتوحة، ستزداد الضغوط الدولية لحماية الملاحة، وقد تتسع الدعوات إلى وجود بحري دولي في هرمز والبحر الأحمر؛ وقد بدأت فرنسا بالفعل تحركًا في مجلس الأمن بشأن مهمة دولية لحماية حرية الملاحة في هرمز. لكن تحويل الممرات البحرية إلى ساحات عسكرية دولية قد يحمل في ذاته خطرًا آخر، لأنه يضفي على الصراع طابعًا دوليًا أوسع بدلًا من أن يطفئ نيرانه.
والدول العربية هي، في الحالتين، صاحبة المصلحة الأكبر في منع انفلات الأزمة من عقالها. فدول الخليج لا تريد حربًا طويلة تجعل منشآتها النفطية وموانئها وقواعدها أهدافًا مباشرة، ولا تريد في الوقت نفسه أن تجد نفسها أمام واقع إقليمي جديد تفرض فيه إيران وحلفاؤها شروطًا جديدة على أمن الخليج. والسعودية تواجه وضعًا أكثر حساسية بعد اتساع نفوذ الحوثيين على الساحل اليمني وتصاعد المخاطر على أمنها وحدودها ومنشآتها الحيوية. أما مصر، فإن القضية بالنسبة إليها تتجاوز أمن البحر الأحمر إلى صميم الأمن الاقتصادي؛ فاستقرار باب المندب شرط أساسي لاستقرار حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب طويل الأمد سيترك آثاره على التجارة العالمية وعلى الاقتصاد المصري مباشرة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن أزمة اليمن لم تعد شأنًا يمنيًا داخليًا، وإنما أصبحت عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح الخليج وإيران والولايات المتحدة والصين وأوروبا.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث عربيًا هو أن تتحول الدول العربية إلى مجرد ساحات لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية. فالعرب ليسوا مراقبين لما يجري؛ إنهم أصحاب المصلحة المباشرة في أمن الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس، وفي مستقبل اليمن، وفي عدم تحويل المنطقة إلى مسرح دائم للحروب بالوكالة. والمطلوب عربيًا ليس الانحياز الأعمى إلى طرف في الصراع، وإنما امتلاك رؤية مستقلة تعتبر أمن المنطقة العربية منظومة واحدة، وترفض أن يصبح أمن الممرات البحرية العربية رهينة للصراع الدولي. وإذا كانت واشنطن وطهران تتفاوضان على هرمز، وإذا كانت القوى الدولية تتحرك لحماية باب المندب، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه العواصم العربية هو: أين المصلحة العربية في كل ذلك؟ ومن يضمن ألا تكون التسوية المقبلة، إذا حدثت، مجرد صفقة بين الكبار يجري دفع ثمنها من الأرض العربية ومن أمن شعوبها؟
لقد دخلنا بالفعل مرحلة لا تسمح بالاطمئنان إلى أن الحرب ستنتهي قريبًا، ولا تسمح في الوقت نفسه بالجزم بأنها ذاهبة حتمًا إلى حرب شاملة. فالمؤشرات متناقضة: هناك اتصالات دبلوماسية، وهناك في الوقت نفسه تهديدات متبادلة؛ هناك حديث عن إعادة فتح هرمز، بينما لا تزال حركة الملاحة أقل بكثير من مستوياتها السابقة؛ وهناك دعوات دولية للتسوية، بالتزامن مع تحركات عسكرية لحماية الممرات البحرية. ولذلك فإن المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية: إما أن يدرك الجميع أن الحرب تجاوزت قدرة أي طرف على التحكم الكامل في نتائجها، فيعودون إلى طاولة التفاوض بحثًا عن تسوية تحفظ مصالح الجميع، وإما أن يواصل كل طرف اختبار حدود الطرف الآخر حتى تقع الشرارة التي تجعل الانفجار أكبر من قدرة الجميع على احتوائه. وبين هرمز وباب المندب، لم يعد الخطر في أن تنتصر دولة على أخرى، وإنما في أن تنتصر الحرب نفسها على الجميع. وحينها لن يكون السؤال: من كسب المعركة؟ بل: ماذا تبقى من المنطقة بعد انتهائها؟،لقد دخلنا بالفعل مرحلة لا تسمح بالاطمئنان إلى أن الحرب ستنتهي قريبًا، ولا تسمح في الوقت نفسه بالجزم بأنها ذاهبة حتمًا إلى حرب شاملة. فالمؤشرات متناقضة: هناك اتصالات دبلوماسية، وهناك في الوقت نفسه تهديدات متبادلة؛ هناك حديث عن إعادة فتح هرمز، بينما لا تزال حركة الملاحة أقل بكثير من مستوياتها السابقة؛ وهناك دعوات دولية للتسوية، بالتزامن مع تحركات عسكرية لحماية الممرات البحرية. ولذلك فإن المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية: إما أن يدرك الجميع أن الحرب تجاوزت قدرة أي طرف على التحكم الكامل في نتائجها، فيعودون إلى طاولة التفاوض بحثًا عن تسوية تحفظ مصالح الجميع، وإما أن يواصل كل طرف اختبار حدود الطرف الآخر حتى تقع الشرارة التي تجعل الانفجار أكبر من قدرة الجميع على احتوائه. وبين هرمز وباب المندب، لم يعد الخطر في أن تنتصر دولة على أخرى، وإنما في أن تنتصر الحرب نفسها على الجميع. وحينها لن يكون السؤال: من كسب المعركة؟ بل: ماذا تبقى من المنطقة بعد انتهائها؟، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
بقلم / د. محمد سيد أحمد













Leave a Reply