ثقافتنا العربية إلى أين ؟!
بداية ما حال واقعنا الثقافي ؟ وما رؤيتنا له ؟
وما مقومات وركائز النهوض به ؟
في البداية لابد أن نحلل مفهومي الحوار الثقافي وثقافة الحوار.
فما المقصود بثقافة الحوار ؟
ثقافة الحوار ، من وجهة نظري ، هى فهم واستبصار، وإدراك الموضوع محل المناقشة، ثم إدارة الحوار بموضوعية مع طرح الذاتية وعرض رأيك مع فتح قناة تواصل مع الآخر .
أما الحوار الثقافي ،فهو عبارة عن اختيار نقطة تحاورية لموضوع ما سواء أكان هذا الموضوع سياسيا، أو اجتماعيا، أو اقتصاديا، أو سيكولوجيا مع دعوة أهل التخصص لتبادل الآراء والأفكار من خلال تنظيم حلقة نقاشية أو بحثية أو ندوة أو أي مسمي آخر -أمسية،مثلا.
والغرض من المصطلحين الخروج بحوار بنَّاء من الممكن أن نستفيد بما يقدمه من آراء وأفكار وأطروحات ،ومعالجات ونتائج للوصول لحلول ناجعة لكثير من مشكلاتنا ،التي تمس واقعنا المعيشيّ، كمشكلة القطيعة المعرفية، أو التفكير الأحادي الجانب، أو العزلة الفكرية، أو مشكلة التبعية الممقوتة، أو النزعات التشددية عند أصحاب بعض الديانات السماوية، أو الوصاية الفكرية المتمثلة سلبيا -أفعل ولا تفعل.
أو محاولة الآخر بسط هيمنته عليك، كالذي يحاول الغرب المتطرف أن يفعله مع أبناء العالم الثالث، أو كما يدعي بعض المستشرقين من مقولة(الغرب المتمدن، والشرق المتخلف).
وهذا الطرح يجسد واقعنا الثقافي العربي المعاصر، من تمركز حول الذات والتغني بأمجاد الماضي وعدم النظرة المستقبلية ، وكأننا في واد والعالم المعاصر في واد آخر ، ومن ثم بات الأمر ملحا للمواكبة والمعاصرة ، مواكبة ركب التقدم التقني دونما إفراط أو تفريط ، دونما إخلال بأصالتنا.
وهذا ما تبذله الجهات المعنية كوزارة الثقافة من النهوض بثقافتنا ، وإن كنت أرى أن عليها معولا كبير في النهوض بثقافتنا الجماهيرية وإحياء مشروع مكتبة الأسرة ، والقراءة للجميع.
وكذلك بدأ الالتفات وتوجيه الأنظار إلى أصحاب الأقلام الحرة التي تكتب بغية الإصلاح، بغية التنوير، بغية نشر الثقافة الحقيقية، الثقافة الجماهيرية ،التي تصل من خلالهم إلى المدن والقرى والنجوع.
كثيرة هى مشكلاتنا المعاصرة، إذا أردنا الكتابة عنها لا تكفينا مقالات كثيرة وحوارات، فواقعنا متجدد سيال متدفق ، وقضايانا ،لاتنتهي طالما أن هناك كائنا حيا اسمه إنسان ، فإنسان اليوم ليس هو إنسان الأمس وإنسان الحاضر دأبه وديدنه السعي (الدءوب )، لأن يكون إنسان ينطلق إلي آفاق جديدة.
هل حقا ونحن أبناء القرن الحادي العشرين نفتقد هذين المصطلحين،ثقافة الحوار والحوار الثقافي ؟
أقول :تعالوا معي إلي ما يحدث في الندوات العلمية المصغرة ،أو حتي المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية، أوراق بحثية تقدم من هنا وهناك ، وحضور كثيف ، لكن
السؤال ما الذي استفاده الحضور ؟! أي استفادة ، وأي ثقافة ، وأي حوار. لاثقافة حوار ، ولا حوار ثقافة .
الحاضرون ، الرفاق حائرون، يفكرون، يتسألون يريدون أن يسألوا، يرد رئيس المنصة-رئيس الجلسة – سنأخذ عددا محدودا من الأسئلة، لماذا عدد محدود ؛ لأننا مرتبطون بموعد الراحة والغداء(الأوبن بوفيه) ومواعيد سفر الأساتذة.
ثم نأتي إلي جلسة الختام والتوصيات ،تجد لا نتائج ولا توصيات ،وإنما تحصيل حاصل، أو بأسلوب راقٍ مهذب تلخيص وإجمال لوقائع الجلسات، طبعا لا أعمم أحكامي ، فهناك مؤتمرات مثمرة جدا تخرج بنتائج مفيدة وبناءة ليس الغرض منها التعارف بين الحضور ، والتقاط الصور التذكارية، وإنما هدفها بناء حوار ثقافي حضاري يخرج بنا من دائرة القطب الأوحد إلي الإنصهار والذوبان في أقطاب كثيرة، ومن أجل إثراء الحوار الثقافي وإثراء ثقافة الحوار، قل رأيك وأنا أسمعك نفكر سويا بصوت مرتفع، اسمعني وأسمعك، أعرني انتباهك وأعيرك انتباهي، فهكذا تبني الأمم، بناء فكريا يؤدي بنا في نهاية المطاف إلي أن نقول : نحن والآخرون والآخرون ونحن، جميعنا نعيش على كوكب واحد الكل يفكر ، الكل يعمل عقله خذ عني وآخذ عنك.
الفكر ليس له دين ،ولا وطن يوجد الفكر متى وجد الإنسان.
فللنهوض بثقافتنا والحفاظ على هويتنا ، يجب أن تتضافر كل الجهود وتتشابك أيدي كل من هو مهموم بثقافتنا ، أملا في مستقبل أفضل لثقافتنا العربية التي هي طريق للحفاظ على هويتنا.
بقلم/د. عادل القليعي
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان ورئيس قسم الفلسفة السابق

Average Rating