الشعر وناسه الحلوة

Read Time:6 Minute, 33 Second

خيري حسن يكتب: *

وقفة قصيرة أمام قبر أمى!
الفاتحة
ــــــــــ
“ماكانتش تحب الميّه الفاتره
وكانت لما بتكره.. تكره موت
واما تحب.. تحب صبابه
واما بتحزن تبقى ربابه
واما بتفرح يبقى الفرح على البوابه
كانت زى الشمس..
وكانت
لما بتغضب تبقى مُهابه”
•••
[القاهرة – 1974]
فى نهاية ذلك العام، أدرك الشاعر الراحل زكي عمر (1938 – 1987) أن المرحلة تحولت من عصر الكفاح إلى عصر الانفتاح. ومن صوت أم كلثوم إلى صوت أحمد عدوية – (أنا ممن يحبون صوت أحمد عدوية – ومن المصانع التى تنتج وتدور إلى المصانع التى تُغلق وتبور! ومن عصر”والله زمان يا سلاحي” إلى عصر آخر، تبدل فيه السلاح، وتغير فيه الكفاح.
من هنا أدرك هذا الشاعر المتميز، صاحب الموقف، والمبدأ، أن العصر ليس عصرُه. وأن مصر ليس مصرُه. وأن البلد ليس بلده؛ فقرر الهجرة الي دولة اليمن – الجنوبي فى ذلك الزمان- وهناك عاش، وكتب، وأراح، واستراح إلى أن حانت لحظة الختام.
•••
فاصلة
ـــــــــ
“كانت تفرح فرح عيال العيد
كانت تفرح – خالص – خالص – خالص
لما الفرخة تبيض
واما الترعة تزيد وتفيض
كانت تفرح فرحة الاعمي ان فتَّح ..
لما الشجرة العاقر تطرح
واما البنت تحيض”

(مدينة عدن – 1987)
بعد عشر سنوات عاشها بعيدا عن قريته فى ريف المنصورة – شمال الدلتا – وعن مصر التى أحبها، وكتب لها أجمل الكلمات لدعم حرب الاستنزاف، وتوجها ب” مدد.. مدد.. شيدي حيلك يا بلد”؛ التى سُرقت منه، ونُسبت رسمياً، لشاعر آخر منذ منتصف السبعينيات.. وغناها الملحن محمد نوح الذي كان يؤديها، فى مرحلتها الأولى، كلما جاءته الفرصة على مسارح مدينة المنصورة، ومدن الدلتا فى ذلك الوقت.
•••
هامش
ـــــــــ
” كان ممكن حبل العمر يطول .. ويطول
والناقة تشيل مليون محصول
والموت يتمد .. يشد الحيل
لكن الفرق كبير .. بين موت الموت
والموت مقتول”

(مدينة المنصورة – 1969)
فى تلك المدينة الجميلة عاش واشتغل محمود عوضين – أطال الله فى عمره- وقام بالعمل والاشراف على النشاط الثقافي ثم أصبح مديراً عاماً لقصر ثقافة المنصورة فى الفترة من 1969إلى 1974. فى هذه الفترة عاصر وشاهد “عوضين” تألق، ونجومية زكي عمر. وعاش معه بداية تجاربه الشعرية والمسرحية والتى كان من بينها ابداعه لكلمات” مدد.. مدد” التى سمعها منه كثيراً، وسمح له بها كثيراً، للصعود على خشبة المسرح، ليهتف، وتهتف خلفه جماهير محافظة الدقهلية قاطبة، التى كانت تشتعل حماساً وهو يلقيها على مسامعهم فى الشوارع والمسارح الشعبية. ولقد شهد بذلك محمود عوضين – يعيش الآن فى الاسكندرية – ووثق هذه الشهادة، بالصوت والصورة للحق وللتاريخ.
•••
نقطة ومن اول السطر
ــــــــــــ
“ماكانتش بتكره قد الموت
مع ان الموت شايلاه جواها بعمر سنينها توائم
وياها فين ماتحب تروح
وياها قبل .. وبعد طلوع الروح
لفت به اراضي الناس شغالة
لفت به بيوت الناس غسالة
طلعت به على السقالة
نزلت به ياما سلالم
لفت به .. ولفت بيا وبيها العالم
لقينا الجيرة وجيرة الجيرة مع الترحيلة
ترحيلة مشينا بلاد الناس رحالة
نحلب من بز الاجرة غموس الليلة
ونعيش اليوم بالتيلة”

(القاهرة – 1971)
ومن المنصورة نعود للقاهرة التى كانت فيها الأحداث السياسية والاجتماعية، ساخنة، ومتوترة، ومتلاحقة، والمظاهرات الجامعية لا تهادن، ولا تهدأ. والخطابات السياسية للرئيس الراحل أنور السادات قائمة ومستمرة فى الحديث عن عام الضباب، وعام الغبار، وعام الانكسار. وعام الحسم. وبالتزامن مع ذلك استمرت الحركة الطلابية فى المظاهرات الحاشدة. والمناشدات الدائمة. والهتافات الصارخة، لتكون بذلك فى مقدمة التيارات السياسية والثقافية التى طالبت بالعبور، والصمود والانتصار. والتحرير. ومن هنا بدأت القيادات الطلابية فى استضافة الشعراء أحمد فؤاد نجم، والشيخ إمام، وزكي عمر للاسهام باشعارهم، وأصواتهم، وهتافهم فى التفاعل مع حماس الطلبة الدائم والذي لا يتوقف. وبالفعل جاء إلى مدرجات جامعة القاهرة الشاعر زكي عمر – فى حضور الفنان محمد نوح الذي كان وقتها يرتدي بدلة من الجينز حسب شهادة الكاتب الصحفى والإعلامى القدير محمد الشبة – وهتف بكلمات “مدد..مدد” أمام المئات من الطلاب. أكد على ذلك العديد من قيادات الحركة الطلابية. وهم – مع حفظ الألقاب -[ زين العابدين فؤاد. وأحمد بهاء الدين شعبان. وسمير عبد الباقي. وعبد الغفار شكر ومحمد الهادي. وكريمة الحفناوي. وعادل عبد الباقي. وسعد عبد الرحمن ومحمد الشبة وحمدي الجابري وغيرهم من شرفاء الثقافة المصرية] الذين عايشوا وتعايشوا مع هذه المرحلة. ثم عُرضت اشعار زكي عمر على مسارح القاهرة، لدعم معركة العبور فى اسكتشات مسرحية، غنائية، حماسية، حملت عنوان نفس الأغنية “شدي حيلك يا بلد وهذا ما أكدت عليه الفنانة الكبيرة سميحة أيوب فى حوارها الذي نشر فى صحيفة الأخبار بتاريخ ( 2 سبتمبر/ أيلول- 2020) مع الزميل الكاتب الصحفي حازم بدر !
•••
قوس صغير
ــــــــــــــــــ
“ماكانتش تحب تفاصل ف الأشياء
كان مُر المُر وداء الداء
إنك ماتاخدش كلامها مُسلَّم بيه
( الواحد بس ح يكدب ليه ؟ )
كات تلعن أم الكلمة اللي بوشين
( إزاي حيكون لك لون ..
لو عشت – ياولدي بدون أعداء ؟ )”

(القاهرة – أكتوبر – 1973)
..وعلى مسرح الطليعة قدمت فرقة المسرح الحديث هذا العرض. ونُشرت إعلانات المسرحية (افيشات الصحف والشوارع) عن طريق وزارة الثقافة المصرية، لتؤكد بصورة رسمية لا تقبل الشك أو الإنكار، أن العرض من أشعار، زكي عمر ومن ألحان محمد نوح. وهذا ما كتبه كافة الكتاب والنقاد الذين حضروا، العرض وقت رفع الستار عنه. و هذه الشهادات موثقة فى دار الكتب والوثائق والمحفوظات. وفى أرشيف كافة الصحف المصرية القومية. هذه الكتابات النقدية، رحبت، واشادت بشاعر العرض الأوحد والوحيد، الشاعر زكي عمر. ومنهم [غالب هلسا. وسناء فتح الله. وفتحي العشري. وعبد النور خليل. وفريدة النقاش. وحمدي الجابري. وسامي خشبة. ومحمد بركات. وجلال العشري ومنير مطاوع والراحل يسري العزب] وغيرهم من كتاب ونقاد مصر الكبار. ورغم ذلك – ومع كل ذلك – نُسبت الكلمات، ظلماً، وقهراً، لغير شاعرها وصاحبها الأصلى، الذي هاجر الوطن، وعاش بعيداً عنه فى غربته صامتاً، وحزيناً، لا يتكلم؛ إلا بكلمات الحب والشوق لمصر. هذا الحب، وهذا الشوق، ظل معه رغم المطاردة والاستبعاده الذي طاله؛ لكونه من شعراء اليسار المصري، الذين رفضوا الخط السياسي الذي جاء به الرئيس الراحل أنور السادات بعد انتصار أكتوبر 1973 العظيم.
•••

علامة إستفهام ؟
ـــــــــــــــــــــــ
“ماكانتش بتنده ناس البيت بالاسم
كُلّنا فى نظرها عيال
( العيّل راح.. العيّل قال…
العيّل نام.. العيّل قام.. العيّل بعد الشر عليه )
مع إنّ الناس فِ الشغل يقولوا عليّا مهندس
والناس فِ الحاره يقولوا عليّا البيه
وباجيب فِ نهاية الشهر العشره جنيه
ماكانتش بتنطق اسمى.. مُحال
الراجل كان فِ نظرها شحيح
وقليل ان جابُه الريح
( من فين حايجينا الراجل عاد؟.. )
والعيل منكوا ياولدي –
أن حب ينام
محتاج اللي يغطيه”

(عدن – يوليو – 1987)
فى يوم 24 من ذلك الشهر الحزين، كان الرجل يجلس على شط البحر مع أولاده – حسب الرواية الرسمية – ( أمل. سنابل. انتصار) وما بين لحظة وأخري، رأي ابنته وهي تصارع الموج للنجاة من الغرق، فقام مسرعاً نحوها. ومد يده إليها؛ فتعلقت الفتاة بذراعه.ثم بكتفه.ثم بجسده. هو الآن يحملها بين يديه. ويسابق معها الموت الذي هو فى طريقه إليها. ينظر لرب الأرض والسماء. ويواجه بقوة، وإيمان، وصبر، الخوف، والموج، والماء. الوقت يمر. ولحظة بعد لحظة.. القدر يقترب. والموج يرتفع. والرياح تشتد. و”أمل” الابنة تبكي على ذراعه؛ فينظر لها ليطمئنها حتي تتوقف عن البكاء. لكن “أمل”- ومعها سنابل وانتصار – منذ ذلك اليوم لم يتوقفن عن البكاء كلما حلت وجاءت الذكري، لأن هذه اللحظات التي عاشوها فى ذلك اليوم الحزين؛ لا يمكن أن تُنسي أو تغادر الذاكرة هكذا بكل سهولة. هذه اللحظات بالنسبة لهن هي لحظات الموج الغادر. هي لحظات الفجر الكاذب. هى لحظات الموت والحياة. هي اللحظات التى حاول فيها الأب إنقاذ ابنته ونجح فى هذا. وهذه اللحظات هي التى حاول فيها إنقاذ ذاته، لكنه للأسف فشل فى هذا. لينتهي به صراعه المفاجئ، والمرير، والعنيف مع موج البحر.. ينتهي بالموت!
•••
علامة تعجب !
ــــــــــــــــــــ
” ماكانتش الله يرحمها .. تخاف مخلوق
كات تلعن خاش العمدة ف وشه
لكنها كانت لما بتقبض قرشه
علشان ماتنقي الدودة ف أرضه
ماكانتش بترضى تغشه” !

( المنصورة – بعد 11 سنة)

..وبعد مرور كل هذه الأعوام فى الغربة، وبعد مرور ثلاثة أيام من الموت فى اليمن، عاد الجسد إلى مرقده الأخير، ليدفن فى قريته كفر الاعجر. ولتبقي الروح بيننا، وستبقي بعدنا، تبحث عن انتصار العدل، واسترداد الحق فى زمن ما، وفى بلد ما، من بلاد الدنيا، لا يكون منفي للشعراء، ولا يكون قبراً للفقراء.
—————–

كاتب صحفي

• الأحداث حقيقية والسيناريو من خيال الكاتب.

• الشعر المصاحب للشاعر الراحل زكي عمر.

• الصور:

الشاعر الراحل زكى عمر.

• هذا المقال أنشره متأخراً – بمناسبة ذكري وفاته التى مرت منذ أيام – فلقد رحل فى 24 يوليو/ تموز 1987 – وسقطت الذكري سهواَ من ذاكرتي..وهذا يتوجب الإعتذار له! لكن من كان مثل زكي عمر فى صدقه، ووطنيته، وموهبته، وطيبته، وحكايته، وروايته، لا ننساه ولا ينساه الشعر… وناسه!

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *