نجيب محفوظ فى براثن التطبيع!!
صبرى ممدوح* يكتب:
أندهش جداً من كتاب ومثقفين يصنعون من نجيب محفوظ (صنم) يعبد فى محراب الأدب، وفى نفس الوقت يهاجمون التيار السلفي.
السلفي أيضا يصنع (اصنامه) الخاصة من شيوخه، فما الفارق الحقيقي بينهما إذن؟!
اعتقد وقد أكون مخطأ أنها محض طفولة ثقافية تمر بها جميع الحضارات والثقافات، فهل فعلاً نجيب محفوظ وثن أو صنم لا يخطئ، وفى منزلة الآلهة؟
اعرف أن الحديث عن قضية التطبيع حديث شائك، وتتجنب الصحف المصرية الأن الخوض فيه، ولكن قضيتنا واضحة وضوح الشمس فكاتب نوبل يتكلم فيها بنفسه من سنين طوال.
نجيب محفوظ نفسه يعترف بالخطأ فى حوار له فى جريدة الفجر بتاريخ ٢١أكتوبر ١٩٨٨ فهو كان أحد مستشارين الرئيس السادات فى اتفاقية كامب دافيد على ما أورده الكاتب الصحفي الكبير أحمد بهاء الدين فى كتاب (محاوراتي مع السادات) الفصل الرابع وأن السادات كان يحضر لعملية السلام بالتشاور مع نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم؟!
وقبل هذا بكثير اعرب نجيب محفوظ عن موقفه وتحديدا فى عام ١٩٧٢ فى مبنى الأهرام بحضور الرئيس القذافي حين قال:
إذا لم تكن لدينا القدرة على الحرب فلنتفاوض ونصطلح وننهى هذه المسألة التي لا تحتمل بلادنا معها حالة اللاحرب واللاسلم لفترة طويلة.” (تامر فايز، نجيب محفوظ ناقدًا، القاهرة، 2018م)
أما الجزء الأخير والمهم فى علاقة نجيب محفوظ بالتطبيع فيتلخص فى علاقته بمستشارين من (الكيان) وحضورهم ندواته، وهو ما انكره جمال الغيطاني فى تصريح له بجريدة الأسبوع بتاريخ ٢٢ يونيو ١٩٩٨.
لكن أمام انكار جمال الغيطاني كان اعتراف نجيب محفوظ حيث قال:
(لا توجد صداقة وكل ما في الأمر أن أكون جالسا في جليم على كورنيش الإسكندرية فيدخل علينا أحدهم يقول أنا المستشار الثقافي الإسرائيلي ثم يجلس ساعة ويمضي لكنني لا أزور أحدا منهم مطلقاً)
بمجلة “المجلة” عام 1978
اعتراف نجيب محفوظ بتلك الواقعة قبل تصريح جمال الغيطاني بحوالي ١١عام فهل كانت علاقة نجيب محفوظ بشخصيات من (الكيان) مستمرة طوال هذا الوقت أم تعود لفترة قبل هذا؟
ساسون سوميخ هو الباحث الذى تواصل مع نجيب محفوظ وزاره فى بيته عشرات المرات، حصل على الدكتوراة فى مؤلفات نجيب محفوظ١٩٦٦ وفى عام ١٩٧٣ نُشرت الدراسة وشغل منصب رئيس المركز الأكاديمي(للكيان) في القاهرة عام 2007.
كان رد نجيب محفوظ على رسالة سوميخ بليغ ومنها:
(ولندع اللهم معًا أن تكلل المساعى المبذولة اليوم بالنجاح، وأن يعود شعبانا إلى المعاشرة المثمرة كما كان الحال فى ماضيهما الطويل, فما لا شك فيه أن تعاونًا مثمرًا قام بين شعبينا على مدي الأعوام الطويلة فى العصور القديمة والوسطى والحديثة، وأن أيام الخصام كانت قصيرة وقليلة. غير أننا – ويا للأسف – عنينا بتسجيل لحظات الخصام أكثر مائة مرة من تسجيل أجيال الصداقة والتعاون. وإنى أحلم بيوم يحيل بفضل التعاون المشترك هذه المنطقة إلى مقام مضئ بمشاعل العلم مبارك بمبادئ السماء السماوية)
منذ عام ١٩٨٠ وحتى ٢٠٠٦ استمر سويخ فى لقاء محفوظ فى بيته ومكتبه وفق رواية سوميخ فى مقاله بجريد (هآرتيس) بتاريخ ٢٢ابريل ٢٠١١ يقول:
(بين١٩٨٠ و٢٠٠٦ وهو العام الذي توفي فيه كثيرا ما كنا نلتقي في شقته، في الطابق الأول من مبنى بشارع النيل، في منطقة العجوزة بالقاهرة، على ضفاف نهر النيل الذي كان يحبه كثيرا. وهناك تعرفت على عائلته: زوجته عطية الله وابنتيه أم كلثوم وفاطمة)
واحدى هذة الرحلات التى قامت بها العائلتين كانت إلى الأقصر عام ١٩٨٢
وفى مذكرات سوميخ المنشورة تحت اسم
(Somekh, Baghdad, Yesterday: The Making of an Arab Jew)
كتب يقول:
مكثتُ بالقاهرة بشكل متواصل بالأعوام ما بين 1995- 1998 التي كنت خلالها مديرا للمركز الأكاديمي الإ$رائيلي بالقاهرة، الذي أُسس عام 1982 وكان محور حديثنا في الثمانينيات، وقد اعتاد نجيب محفوظ على الإعراب عن تضامنه مع أهداف تلك المؤسسة التي أنشئت لدعم علاقات التعاون بين الجانبين الأكاديميين، المصري والإسرائيلي… وقد جمعته عدة لقاءات مرتبة مع رؤوساء المركز السابقين لي، وحرص على تشجيع الأدباء والطلاب المصريين على زيارة المركز، بينما لم يتمكن هو نفسه من المشاركة بشكل فعّال في أنشطته لاعتبارات مختلفة”. (المذكرات، ص ١٩٥-١٩٦)
ونحن إذ نستعرض الوقائع ولا نقول رأينا فيها فذلك لتكون الأحداث التاريخية أمام الجميع واضحة وللقارئ مطلق الحرية فى الحكم الذى يطلقه على نجيب محفوظ، لكن بلا شك أنه أخطأ واستمر فى خطأه، وربما يكون هو (عراب) التطبيع مع (الكيان) وهذا نجيب محفوظ الأنسان المثقف، اما نجيب محفوظ الكاتب المبدع فلنا فى هذا الموضوع حديث يطول شرحه.
تنويه بسيط ليس هذا المقال هجوم أو إساءة لنجيب محفوظ الكاتب بقدر ما هو سرد لوقائع تاريخية عن (تطبيع) نجيب محفوظ.
*رأي الكاتب لا يعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة

Average Rating