بشائر الخير في “الإسكندرية غرب” !

Read Time:3 Minute, 54 Second

ما زلنا لا نعرف عن بلادنا سوى القليل، وكما قال بعض الجغرافيين الاستعماريين في مطلع القرن العشرين – ونقل عنهم حمدان بعد نصف قرن– فإن المصريين هم أجهل الناس بجغرافية بلادهم.

وتتبدى معالم تقصيرنا في معرفة جغرافية بلادنا في ترديد عبارات محفوظة من “الصور النمطية” أو الصور المقولبة التي نستدعيها عندما نذكر اسم بلدة أو قرية أو رقعة صحراوية.

انظر مثلا إلى الإسكندرية، وحاول أن تستدعي الصورة النمطية التي تعرفها عنها والتي لا تخرج غالبا عن أربع مسميات:

– إسكندرية المصيف والشاطئ، وهذه يعرفها من تجاوز عمره اليوم خمسين أو ستين عاما، أما الشباب من الجيل الحالي فإنهم يعرفون “إسكندرية الحواجز الخرسانية” والمقاهي الغربية في مسماها وأسعارها. واليوم تختفي الإسكندرية كمصيف أو منتجع لصالح قرى الساحل الشمالي الغربي الأكثر كلفة والمغلقة على أصحابها حصريا.

– الإسكندرية الكوزمبوليتانية أو “المعولمة”، وهي تسمية مبالغ فيها لكنها تستدعي الحنين إلى الماضي الملكي والاستعماري، وهذه لا يكاد يعرفها أحد اليوم. فقد كانت الإسكندرية وطنا للخبراء والمستشارين والمغامرين والشطار من كل دول العالم، وكانت أيضا ملاذ اللاجئين والمهاجرين من حوض البحر المتوسط (يونان وإيطاليين) كما عرفت بأنها مكان محبوب لليهود، استغلالا لشخصية المدينة التجارية المنفتحة منذ قرون، وكانت في فترة من الفترات أيضا ملجأ للمهاجرين الروس بعد الثورة الشيوعية. وهذه الإسكندرية تجدها في بقاع محدودة للغاية أشهرها في حي المنشية ومحطة الرمل وشارع النبي دانيال وكوم الدكة. وما تزال بعض الأسماء الأجنبية لا يعرفها حتى سكانها. فحي المنشية لا علاقة له بالاسم العربي “المنشية” الذي يزعمون أنه مستمد من الكلمة العربية “منشأة” بل هو منسوب لاسم المعماري الإيطالي الذي استقدمته الجالية الإيطالية في نهاية القرن 19 لتشييد هذه العمائر المتناسقة المتجانسة غير بعيد عن البحر، والتي أقام في وسطها الخديوي إسماعيل تمثالا هو الأول والوحيد من نوعه في زمانه لمحمد على باشا ممتطيا جواده في صورة الغازي أو الفاتح الكبير.

– الإسكندرية شرق، وهي المنطقة التي كانت منعزلة لا عمران فيها واتخذتها الأسرة الملكية في مطلع القرن العشرين مكانا قصيا أقامت فيه “المنتزه” للأسرة المالكة، وحوله في المناطق الزراعية حصل الأمراء على إقطاعاتهم ومن أشهرها أراضي الأمير عمر طوسون.

– إسكندرية الظهير الخلفي، وطن المهاجرين من البحيرة والصعيد والقاهرة والدلتا، وهؤلاء شغلوا المناطق الخلفية أو “ظهير الإسكندرية” وأقاموا عمائر سكنية لا تختلف عن الأحياء التي جاءوا منها: متلاصقة ومتطاولة ومكدسة. لا تحمل من رائحة البحر شيئا بقدر ما تحمل رائحة الدلتا والصعيد.

أما الإسكندرية المجهولة للكثيرين منا فهي التي يمكن أن نسميها “الإسكندرية غرب” والتي لا يهتم بها أحد لأنها بعيدة عن الأعين المغرمة بـ “السكندريات” الأربعة السابقة.

تضم “الإسكندرية غرب” خليطا مربكا ومزدحما لأنشطة اقتصادية متنوعة وريما متنافرة: الحجر الصحي القديم، أعمال الميناء الهامشية الخلفية، ورش الصناعة البحرية، إعادة تدوير الخردة، واردات رخيصة من أخشاب وحديد تنتظر إعادة التدوير في السوق المحلي، مستنقعات بحيرة مريوط.

اللون الغالب هنا ليس الأزرق اللازوردي ولا الأخضر اليانع بل الرمادي والأسود من عوادم الصناعة والأبنية الآيلة للسقوط وغبار الطرقات غير المعبدة والمهملة. الضوضاء هنا أيضا أعلى من نظيرتها في بقية السكندريات الأخرى.

وكما هو متوقع نشأت هنا أحياء سكنية لعمال الصناعة والحرفيين وغيرهم من الوافدين للعمل في “ظهر المدينة الغربي” وخدمات الميناء.

ولعل أهم ما يميز الإسكندرية غرب هو وقوعها على أطراف الصحراء الغربية القريبة من سكن قبائل أولاد علي ومن ثم نجد مؤثرا ديموغرافيا واضحا في أسماء الأماكن مثل الحي الذي نشأ على مستنقعات بحيرة مريوط ويعرف باسم “نجع العرب”.

تضم كتب الرحلات القديمة ما يدل على أن هذه المنطقة كانت مسكنا لجماعة انقرضت اليوم من النسيج المصري وهم “الغجر” الذين كانوا يقيمون خيامهم هنا على هامش المدينة.

ورغم أن في هذا النسيج العمراني أحياء محتفظة بشخصيتها وقدر من النظافة والنظام مثل “القباري” إلا أن أحياء أخرى بالغة السوء والتردي ولا تختلف عن المناطق المتدهورة في القاهرة في تل العقارب التي كتبت عنها مقالا العام الماضي.

وفي السنوات الأخيرة أقامت الدولة مجموعة من العمارات الجديدة ذات لون واحد ونسيج واحد وأطلقت عليها مسمى “بشائر الخير”، وبالطبع يحظى المشروع بترحيب مستحق من المؤيدين لجهود النهوض بحياة كريمة، ولا يخلو بالطبع من انتقادات من يفسرون الأمر ضمن نظرية تسليع الأراضي وانتزاعها لإقامة مشروعات استثمارية عليها.

عبر السنوات الثلاث الماضية قمت بجولات ميدانية متفرقة سيرا على الأقدام في المناطق التي ذكرتها عن الإسكندرية غرب، ومن بينها التنمية العمرانية الجديدة في “بشائر الخير” والتي أقيمت محل الأبنية القديمة المتدهورة وفي موقع جغرافي بالغ الكثافة المعلوماتية يقف غير بعيد عن المنطقة الأثرية في “كتاكومب”، ومستودع السكك الحديدية التاريخية، وبحيرة مريوط، والطريق الدولي المتجه إلى الكيلو 21 ومن خلفه الساحل الشمالي.

في خرائط مطلع القرن العشرين كانت المنطقة تعرف على الخرائط باسم “المكس” أي نهاية المعمور الاقتصادي حيث يتم جمع الضرائب (المكوس) من هنا للوافدين من الغرب إلى الإسكندرية.

الإسكندرية غرب منطقة مميزة وغنية بالمعلومات والتاريخ والجغرافيا، برغم أنها أقل شهرة من السكندريات الأربع الشائعة في الصورة النمطية عن “عروس المتوسط”.

“عروس المتوسط” مسمى محل جدال، فقد ارتكنا إليه حد التقديس، كما ارتكنا إلى “عبقرية مصر” وأصابنا من جراء هذا قدر مؤسف من الخمول والكسل، ونحن أحق بالنشاط والعمل والهمة من أي وقت مضى.

بقلم/ د. عاطف معتمد 

أستاذ الجغرافيا

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *