السناوي وهؤلاء الكتاب

Read Time:2 Minute, 15 Second

قد يأتي على الكاتب حين من الدهر يسئم فيه من الكتابة، ولم أر مثل دأب الصديق العزيز عبد الله السناوي في استنهاض همم السائمين من الكتابة،

وأشهد أن كتابات رائعة ولدت على يديه من كتاب كبار بدأوا الحديث معه عن مللهم من الكتابة فيقترح عليهم موضوعاً وشكلاً للكتابة يجعلهم يستعيدون شغفهم للكتابة مجدداً، وإذا بالكاتب الذي كاد يعتذر يتحفنا في العربي بصفحة كاملة من الإبداع المتميز.

كان من هؤلاء الراحل الكبير أسامة أنور عكاشة الذي تصدرت أفكاره الغير مدققة عن عروبة مصر مانشيتات الصحف فاقترح السناوي عليه أن يناقش عبد الناصر في تلك الأفكار فكتب عكاشة صورة قلمية عن لقاء جمعه بعبد الناصر حول تلك الأفكار.

وكان من بين اقتراحاته على الأديب الكبير علاء الأسواني أن يكتب عن لقاء يتم بين عبد الناصر ومبارك يدور الحديث فيه عن أوضاع مصر وقتها.

وكذلك فعل مع المبدع الكبير محفوظ عبد الرحمن فاقترح عليه أن يكتب تحت عنوان: عبد الناصر يعود لحكم مصر،

وتعاملنا مع المقال الفانتازي كأنه حدث فعلاً، تشاورت مع المصمم الصحفي الموهوب حامد العويضي في اخراج الصفحة الأولى للجريدة، وانتهينا إلى أن يكتب بخطه الرائع مانشيت الجريدة على صورة ومثال صحافة الستينيات.

حتى معي مارس السناوي المهمة ذاتها حين أبدي تكاسلاً أو أعلن تململاً، فيقول لي عبارته المحببة: “لا تحرم قراءك منك”، فأعود إلى القلم بحماسة الكتابة للمرة الأولى.

ورغم أنه كان يترك لنفسه حرية عدم الكتابة المنتظمة إلا أنه لا يقبل من أحدٍ منا فتوراً عن الكتابة.

كانت حجتي المتكررة لصديقي الأعز أننا نعيش في قلب أكثر العهود التي شهدت مللاً متواصلاً من الكتابة عند كثير من الكتاب، وأظن أن السنوات الأخيرة تدفع الكثيرين منهم إلى التفكير في الامتناع عن الكتابة، التي لا يبدو أن لها فائدة تذكر، خاصة وقد أصبحنا جميعاً كأننا نؤذن في مالطة.

كثرت جرائدنا، وكثر كتابنا، وكثرت فضائياتنا، وكثرت كمية النقد اليومية لأعمال الحكومة وقراراتها، وتوجهات النظام وتوجيهات رئيسه، ومع ذلك لا شيء يتغير، إلا إلى الأسوأ، نطالب بتعديل الدستور فيتعدل إلى الأسوأ،

ونطالب بالقضاء على الفساد فتتعزز مواقعه ويزداد نفوذه، ونطالب بعدل اجتماعي فيزداد غنى الأغنياء فحشا، ويزداد فقر الفقراء توحشاً،

وكلنا يتابع منذ حوالي عشر سنوات مسلسل الوريث المفروض علينا في كل أيام السنة وليس في رمضان مع المسلسلات السنوية، يتراجع التوريث ويتقدم ولكنه لا يثبت على قرار، الرفض الشعبي واضح للوريث ولمشروع التوريث ولكن المشروع ماض في طريقه.

كمية الكتابات عن الفساد خلال السنوات العشر الأخيرة تكفي لحرق روما عشر مرات ولكن القاهرة لا تزال تحتضن فسادها وتحرص عليه وتحرض على بقائه بدون مساس.

تعاظم حجم الفساد مع تزايد حجم النقد، وأصبحت المعادلة التي تفقع المرارة أنه كلما زاد نقد الفساد زادت شراسته.

شبعنا من الكتابة عن الفساد، لكنهم لم يشبعوا من فسادهم. مللنا من التحذير، لكنهم لم يملوا من إحكام قبضتهم. فاعذرني، صديقي العزيز، إن شعرتُ أن الكتابة لم تعد تكفي.

( من مقال قديم يتجدد)

من ذكريات جريدة العربي

بقلم/ محمد حماد 

كاتب صحفي

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *