أشيائي التي تكلّمني!!
قرأت لأحد الدكاترة النفسيين “من الطبيعي أن تُحادث نفسك، أو أن تُخاطب الدولاب أو الكرسي… لا بأس، فذلك يحدث كثيرًا ولا يدعو للقلق. لكن إن شعرت أن الدولاب يردّ عليك، فأنا في انتظارك في العيادة على وجه السرعة”.
يومها تبسمت ضاحكًا، وقلت في نفسي: هل أطلب موعدًا مع الدكتور الرخاوي، فقد حدث كثيرًا أن كلّمتُ أشيائي… وكلّمتني.
حجرة مكتبي التي أويتُ إليها عقودًا لم تَعُد مجرد مساحة مادية، بل مقام من مقامات النفس. صارت زاويةً من زوايا الروح، حيث يتبدّى للأشياء طيفٌ من المعنى وحضورٌ من نور. جدرانها ليست جمادات، بل ذاكرة متجسدة، تهمس كلّما سكَن الصخب.
وما زلت أُفضّل المكوث فيها كأنها صومعةُ عابد، أو قلايةُ راهب، أخلع عند بابها ضجيج العالم، وأدخل خفيفًا إلا من قلبي.
على جدرانها انتصبت كتبي، لا كأثقال على الخشب، بل كأوراق مقدّسة في مقام القراءة بوِردِ البصيرة. تُطالعني كتب قرأتها تستقر تحت نظري طول الوقت، كما تستقر الأسفار في قلب السالك، وكتب أخرى تنتظرني، لا لتُقرأ بل لتُنكشف.
محبرتي اليابسة تذكرني أن الحبر لا يموت بل يتحوّل، كما يتحول الوصل في حضرة الغياب. أقلامي مصطفّة بخشوع صامت، كأنها تعرف أن الكلام الحقيقي لا يُكتب بالحبر بل بالوجد.
في بدء التجربة، أسقطتُ على الأشياء شيئًا مني ـ أنسنتُها لعلي أقترب منها. ثم أدركت أن لكل شيء ذاتًا، لا تحتاجني كي تكون. حينها خفّ همس الأشياء، وبدأت أتلقّف صوتها دون صخب التأويل.
فردة الجورب التي تفارق أختها فجأة ليست فقدًا طريفًا بل ارتباكٌ في توازن صغير. الملعقة التي لا أستلذ الطعام إلا بها، السرير الذي شاخ معي ولم يخذلني، السيارة التي حملتني في الوحشة، ثم افترقنا… كلّها ليست مجرد أشياء، بل تجلّيات لأزمنةٍ سكنتني.
تيقّنت أن الجماد لا يُحبس في الصمت، وأن كل شيء يملك حياةً تناسب خلقه وتكوينه. أن السماء والأرض أقبلتا طائعتين، ورفضتا حمل الأمانة التي حملها الإنسان. أن الجبال تخشى وتتصدّع من الخشية، وأن من الحجارة ما يتشقق فيخرج منه الماء، وأن بعض القلوب قست فصارت أشد قسوة من الحجارة.
أدركت أن للزهور فنونًا في الابتسام، وأن من الأحجار من تنطق، وتحيّي الإنسان وتسامره.
والآن، لا أستغرب أن تزهر الزهرة دون فصلٍ ولا موسم، أو أن يبتسم الخشب حين أضع كفّي عليه. صارت الأشياء حوارات مؤجلة،
وأنا، في غمرة يومٍ عادي، أسمع سلامًا خافتًا من فنجان قهوتي أو تنهيدةً من كرسي أرهقته الجلسات.
تقول تجربتي: ليس صحيحًا أن الجماد لا يكلمنا، يكفي أنه وحده الذي لم يُقاطعنا يومًا، وأن كلّ ما في الكون له لحنٌ لا يسمعه إلا من أرهف قلبه.
بقلم الكاتب الصحفي/ محمد حماد
قحر الأحد 6 يوليو 2025
من حجرة مكتبي

Average Rating