الجامعات تغتال أولاد الفقراء!
وجيه الصقار يكتب:
بات واضحًا أن التعليم لم يعد من اهتمامات الدولة، حتى أصبح تجارة رخيصة تدوس بتروسها الحادة أبناء الفقراء الطامحين.
فقد طالبتُ بالاستفادة من الفراغات بالكليات الحكومية بعد التحاق نحو 50 ألف طالب بكليات خاصة وأهلية، وأصبح المجال مفتوحًا لإعادة التوزيع وتقليل الاغتراب لتفادي حوادث القتل على الطرق. كنت أظن – بحسن نية – أن المسئولين لديهم قدر من الوطنية والمسئولية، لكنني اصطدمت بحقيقة مؤلمة: تعليم أبناء الفقراء ليس من أهداف الدولة، ولتذهب أحلام الخريجين إلى الجحيم أو المقاهي أو حتى الانتحار، فلا أمل في العمل، ولو أدى ذلك إلى تخلف الوطن.
هكذا تكتمل الدائرة الجهنمية بعد كوارث الثانوية العامة، التي باتت معروفة بسماعات الغش، واللجان المباعة، وبيع الدرجات بمؤشرات مؤكدة وجرائم موثقة، دون أن يُعاقَب مخالف ولو شكليًا. ثم جاء دور الجامعات لتجهز على ما تبقى من طموح أبناء وأسر الفقراء، فلا مكان لهم في تعليم متميز داخل بلدنا، في انتهاك صريح لأسس الدستور والقانون والعدالة الاجتماعية التي تفرض المساواة بين أبناء الوطن في الحق بالتعليم الجيد.
فالطالب الفقير يجد زميله في نفس السنة الدراسية يتلقى تعليمًا عالميًا متميزًا، عبر برامج علمية متقدمة، بينما تُحطم طموحاته بحيل شياطين التعليم عديمي الضمير. فقد اخترعوا مسارات موازية حتى داخل الكلية الحكومية نفسها، مثل “الكريدت” والساعات المعتمدة، والتعليم المتميز بمبالغ خيالية، محفزين الطلاب على الالتحاق بها عبر التعليم باللغات والشهادات الأجنبية، بزعم أنها تضمن لهم فرص عمل مضمونة ومتميزة، كما صرح وزير التعليم العالي.
بهذا تُكسر أسس المساواة بين المواطنين. فإذا طلب المواطن البسيط انتقال ابنه أو تقليل اغترابه إلى كلية بها أماكن خالية – نتيجة انسحاب طلاب منها إلى التعليم الخاص أو الأهلي – يكون الرد بالرفض. وحين تسأل: يكون الجواب “مكتب التنسيق مغلق”، بينما يُفتح لك باب آخر: “تعالى لمسار خاص… لكن ادفع”!
إنها مسخرة وتآمر على المواطن، وفتح لأبواب تجارة التعليم بعيدًا عن مكتب التنسيق المغلق في وجه الفقراء، مما يهدد استقرار الوطن بعقلية “السادة والعبيد”، ويدمر قيم وأخلاق الأجيال.

Average Rating