وهم إنتصار إيران!
أكاد ألمس تيارًا مصريًا واسعًا يجزم ويؤكد ثقته بانتصار إيران. وبالطبع فإنني شخصيًا أتمنى هزيمة المشروع الصهيوني الإمبريالي الذي يشن هذه الحرب العدوانية الغاشمة. وبرغم اختلافي مع بعض السياسات أو التوجهات والقرارات الإيرانية السابقة، التي ربما أسهمت في الوصول إلى الوضع الحالي، فإنني لا أتمنى لها الهزيمة أبدًا، بل أتمنى صمودها وانتصارها.
لكن، لا بد لنا أن نعمل العقل، وأن ننتهج الموضوعية، وأن ننحي التفكير بالتمني جانبًا.
بدايةً، لابد من تعريف معنى النصر. هل يُعد فقدان المرشد الأعلى، وطبقات كاملة من القيادات والعلماء الإيرانيين، وتدمير البرنامج النووي، والاقتراب من تدمير معظم البرنامج الصاروخي، والإضرار الجسيم بالبنية الأساسية، وفقدان آلاف الإيرانيين من العسكريين والمدنيين، وبتر غالبية أذرع إيران الإقليمية وتحييد الباقي، واستعداء دول الخليج المتضررة… هل بعد كل هذا يمكن أن نتحدث عن نصر؟
في المقابل، ما تكبّده الخصمان، الولايات المتحدة وإسرائيل – حتى الآن – يقتصر على بضع إصابات بشرية تُعد على الأصابع، وخسائر مادية يمكن تعويضها ذاتيًا أو عبر ابتزاز الآخرين. وفي الوقت نفسه، تكون إسرائيل قد تخلّصت – تقريبًا – من أهم تهديد حقيقي لها بعد خروج مصر من الصراع عبر معاهدة السلام، بينما تستعرض الولايات المتحدة قوتها الكاسحة دون رادع.
بعد هذا الجرد، إذا طاب للبعض تسمية ما يحدث انتصارًا لإيران وهزيمة لأمريكا وإسرائيل، فإنني أعتقد أن عليه أن يراجع حساباته وتقييماته وتعريفه لمفهوم النصر والهزيمة.
أتفهم تمامًا القول إن تجنب سقوط النظام الإيراني، وقدرته على التماسك السريع واستبدال القيادات دون انهيار المنظومة بكاملها، والاستمرار في القتال، والقدرة على إطالة أمد الحرب وإمطار الكيان والأهداف الأمريكية بالصواريخ والمسيّرات… كل هذا بلا شك يفسد كثيرًا من جوهر وقيمة الانتصار السريع والسهل الذي زيّنه نتنياهو لترامب.
لكن ذلك لا يعني أبدًا أن نحتفل به باعتباره نصرًا إيرانيًا، والبلد متخم بالشهداء ومثخن بالجراح. اللهم إلا إذا واصلنا ترديد المقولة الشهيرة: الحمد لله، العملية نجحت… لكن المريض مات، أو ما زال في غرفة الإنعاش!
أقول هذا ليس نشرًا للإحباط، بل استنفارًا للهمم، واستعدادًا حقيقيًا للمعارك عبر العلم والتكنولوجيا، والتماسك الوطني، والحكم الرشيد، والسياسات الحكيمة.
بقلم/ فوزي العشماوي
سفير مصري

Average Rating