لماذا يا هند؟!
د. مصطفى الفقي يكتب:
شاءت ظروف حياتي الدبلوماسية أن أخدم في السفارة المصرية بنيودلهي لأعوام أربعة كاملة، وكان ذلك في نهاية سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته (1979-1983) وقد تأثرت كثيراً بعظمة الأمة الهندية والتشابه الكبير الذي يربط بعض مظاهر الحياة لدينا بمظاهر الحياة لدى الهنود.
كانت العلاقات العربية- الهندية تبدو في أفضل أوضاعها على ضوء العلاقات الوثيقة التي جمعت عبدالناصر وجواهر لال نهرو في تأسيس حركة عدم الانحياز (1961)، وكان انبهاري شديداً بالدولة الهندية، وتلك الأمة التي كرمها المفكر العربي الراحل البيروني في ما قال عن الهند إنها “بلد العجائب التي تكاد تكون متحفاً للزمان والمكان”، فضلاً عن احتوائها للفضائل المطلوبة وأيضاً النقائص المرذولة.
أقول ذلك بمناسبة ما شهدته على شاشات التلفزة عند هبوط طائرة رئيس وزراء الهند حالياً ناريندرا مودي والاستقبال غير المسبوق الذي جرى له عند وصوله إلى مطار تل أبيب لأنني عندما خدمت في نيودلهي كانت لا تزال عاصمة دعم شديد للقضية الفلسطينية، وكان المفكر اللبناني كلوفيس مقصود مديراً لمكتب الجامعة العربية هناك، وكانت له حظوة كبيرة وقبول شديد لدى الساسة الهنود.
كانت المواقف الهندية حاسمة في تأييدها للحقوق الفلسطينية والإيمان الشديد بشرعية المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأتذكر الآن أنني كتبت مقالة في مجلة السياسة الدولية لمحت فيها إلى احتمال تحول مرتقب لمواقف الهند تجاه الصراع العربي- الإسرائيلي.
كانت قراءتي صادرة عن متابعة دقيقة للتواصل غير المعلن بين نيودلهي وتل أبيب واحتمالات التعاون بينهما في مجالات تصنيع السلاح وتطوير العلاقات العسكرية بين إسرائيل وجمهورية الهند التي تضم وقتها ما يزيد على 150 مليون مسلم ينتمون إلى ثقافة ذلك البلد الكبير وتلك الأمة العظيمة.
وكان ذلك في وقت ترفع الهند رايات الحياد الإيجابي وعدم الانحياز وتسمي الشارع الأطول في العاصمة والواصل بين المطار وقلب المدينة باسم الزعيم العربي الراحل عبدالناصر رفيق نهرو وصديق الهند خلال ستينيات القرن الماضي.
ما زلت أتذكر أن العلاقات بين القاهرة ونيودلهي تدهورت بشدة بعد سياسات كامب ديفيد 1978 التي تبناها الرئيس المصري الراحل أنور السادات ووفدت حينها رياح باردة على تلك العلاقات، وقامت الكيمياء العكسية بدورها في العلاقات بين السادات وأنديرا غاندي حتى إنه عندما أوفد الرئيس المصري الوزير بطرس بطرس غالي برسالة إلى رئيسة وزراء الهند استقبلت المبعوث المصري على مضض ووضعت الرسالة جانباً على المنضدة ولم تفتحها للقراءة، وفقاً للتقاليد الدبلوماسية المرعية في مثل تلك المواقف.
ولم يكُن الموقف الهندي في ذلك الوقت نابعاً من عداء حقيقي لمصر وسياساتها، وإنما كان مجاملة لدول الرفض العربي وحفاظاً على المصالح الهندية في منطقة الخليج والعمالة التي تحتفظ بها في تلك الدول، وبالعودة لمقالتي التي كتبتها في ذلك الوقت حينما لمحت إلى احتمالات التقارب المنتظر بين الهند وإسرائيل يومها قامت الدنيا ولم تقعد، فاحتج السفير الهندي في القاهرة لدى وزارة الخارجية على تلك المقالة، وكأنما يقول “حاشا لله أن نفكر في إقامة علاقات مع إسرائيل، بعد التاريخ الطويل والحافل من الدعم للقضية الفلسطينية في مختلف أطوارها” ومضت أحوال كثيرة وتدفقت أمواج في نهر العلاقات الهندية بعد ذلك.
ولاحظ المراقبون بوادر التعاون الخفي سياسياً وتقنياً بين تل أبيب ودلهي في وقت تباعدت سياسة الهند بالتدريج من الاتحاد السوفياتي السابق واقتربت من السياسة الأميركية عموماً، ثم كان مصرع أنديرا غاندي ووصول ابنها الأكبر راجيف إلى سدة الحكم التي احتلها من قبل جده ثم أمه، إلى أن لقي مصرعه هو الآخر وتبدلت الطرق وتغيرت المواقف وأصبحنا أمام موقف مختلف بكل صراحة ووضوح.
ولقد زرت الهند بعد 10 أعوام من انتهاء خدمتي فيها، وشعرت بأن التحولات التي كنت أتحدث عنها وكانت إرهاصات غير مؤكدة أصبحت واقعاً للعيان وحقائق لا تخفى على أحد، وكنت أقول لرفاقي في تلك الرحلة مخاطباً الهند “كم تغيرت يا هند؟” ولكنها العلاقات الدولية والمصالح المتغيرة والأهداف المتعددة.

Average Rating