يوسف زيدان وقصة أبرهة: حين يتحول الشكّ إلى يقين زائف

بقلم: صلاح العربي

ليس أخطر على الوعي من الجهل الصريح، بل من ذلك الجهل حين يتزيّا بزيّ «البحث العلمي»، ويجلس على كرسيّ المؤرخ، ويتحدث بلهجة الواثق الذي يملك الحقيقة وحده، ثم لا يقدّم للناس إلا الشكوك المرسلة، والانتقاء المتعمد، والقفز فوق المراجع، وإعادة تدوير فرضيات خلافية على أنها حقائق نهائية لا تقبل النقاش.

هذا بالضبط ما يفعله يوسف زيدان كلما اقترب من منطقة تمسّ الوجدان الإسلامي أو التاريخ العربي، فيتقدم إلى الناس لا بوصفه باحثًا يعرض احتمالات، بل بوصفه قاضيًا يصدر الأحكام: هذه القصة لم تقع، وهذا الموروث مختلق، وهذا الذي آمن به الناس قرونًا مجرد «حكاية للعوام».

وآخر ما فجّره الرجل من جدل إنكاره حادثة أبرهة وأصحاب الفيل، ونفيه أن يكون أبرهة قد حاول هدم الكعبة قبل الإسلام، بل وزعمه أن أبرهة وأخاه أصبهة كانا «قديسين» في الحبشة، ومن ثم فلا يعقل -في منطقه- أن يفكرا أصلًا في هدم الكعبة.

وهنا لا بد من سؤال مباشر لا مواربة فيه:

هل ما يقوله يوسف زيدان ثابت في التاريخ والمراجع؟ أم أنه مجرد ادعاء كبير أكبر من أدلته بكثير؟

والجواب الواضح: ما يقوله زيدان ليس حقيقة تاريخية مستقرة، بل هو قراءة انتقائية متعسفة، تصادم المرويات التاريخية الإسلامية المبكرة، وتتجاوز الفرق بين «مناقشة التفاصيل» و«إنكار أصل الواقعة» كله دفعة واحدة.

أولًا: أبرهة ليس اختراعًا إسلاميًا.. بل شخصية تاريخية معروفة

قبل أن نناقش قصة الفيل، يجب أن نضع القدم على أول أرض صلبة في هذا الملف: أبرهة الأشرم شخصية تاريخية حقيقية، لا خيال ديني، ولا اختراع متأخر في كتب الوعظ.

فالرجل معروف في تاريخ اليمن والحبشة، ومرتبط بالوجود الحبشي في اليمن بعد الصراع مع الحميريين، وورد ذكره في السياق السياسي والعسكري لتلك المرحلة بوصفه حاكمًا قويًا بسط نفوذه على اليمن، وخاض تحركات عسكرية وسياسية لتثبيت سلطانه.

إذن نحن لسنا أمام اسم خرج من كتب القصاصين، بل أمام شخصية تاريخية ذات حضور في التاريخ الإقليمي نفسه. ومن هنا فإن السؤال العلمي ليس: «هل وُجد أبرهة أصلًا؟» بل: ما الذي فعله؟ وما مدى ثبوت حملته على مكة؟ وكيف تعاملت المصادر المبكرة مع ذلك؟

وهنا يبدأ الخلل في خطاب يوسف زيدان؛ لأنه يتصرف وكأن إسقاط بعض التفاصيل المختلف عليها يكفي لإعدام القضية كلها، وكأن المؤرخ إذا ناقش جزءًا من الرواية جاز له أن ينسف أصلها من جذورها بلا بيّنة كافية.

ثانيًا: هل وردت محاولة أبرهة هدم الكعبة في المصادر التاريخية؟ نعم.. وبوضوح

الجواب الذي لا يحتمل المراوغة: نعم، وردت حادثة أبرهة ومحاولته التوجه إلى مكة في المصادر الإسلامية التاريخية المبكرة، ولم تكن بدعة متأخرة خرجت بعد قرون كما يحب البعض أن يوحي.

لقد وردت القصة في السيرة النبوية لابن إسحاق كما نقلها ابن هشام، ووردت في تاريخ الطبري، ثم تداولها المفسرون وأهل الأخبار بعد ذلك، وربطها جمهورهم بسورة الفيل، وبالسنة التي عُرفت في الذاكرة العربية بـ«عام الفيل».

وهذه ليست إشارة عابرة، بل بناء تاريخي متماسك داخل المصادر الإسلامية المبكرة: أبرهة في اليمن، وبناؤه «القُلَّيْس» لصرف العرب عن الكعبة، ثم غضبه، ثم عزمه على المسير إلى مكة، ثم ما وقع لجيشه من الهلاك الذي خلدته سورة الفيل في الوعي الإسلامي.

قد يقال: لكن هذه مصادر إسلامية.

ونقول: نعم، وهي أقدم ما وصلنا من البناء السردي المتصل للحادثة، ولا يجوز إعدامها هكذا بجملة صحفية من نوع «لا سند تاريخيًا»، وكأن كل ما دوّنه أوائل أهل السيرة والتاريخ لا قيمة له.

الباحث الجاد قد يناقش الأسانيد، وقد يفرّق بين أصل الواقعة وبعض تفصيلاتها، وقد يطلب شاهدًا خارجيًا أو نقشًا أو نصًا معاصرًا؛ لكن الباحث المحترم لا يحوّل غياب بعض الشواهد المستقلة إلى تصريح دعائي يقول للناس: القصة لم تحدث أصلًا.

وهنا موضع التدليس في الخطاب: ثمة فرق هائل بين قول الباحث: «التفاصيل التاريخية تحتاج تمحيصًا»، وبين قول المثير للجدل: «الحادثة كلها خرافة». الأول منهج علمي، والثاني قفزة استعراضية.

ثالثًا: سورة الفيل ليست نصًا عابرًا يمكن شطبه بعبارة تلفزيونية

المشكلة في طرح يوسف زيدان أنه لا يناقش خبرًا هامشيًا في كتاب أخبار، بل يقترب من واقعة ارتبطت بسورة قرآنية كاملة:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾.

والنقاش هنا يجب أن يكون منضبطًا.

ليس معنى ذلك أن كل تفصيل في الروايات التفسيرية صار مقدسًا لا يُناقش، ولكن معناه أن أصل الواقعة له جذر نصي قرآني، وأن من أراد نفيه نفيًا كاملًا لا يكفيه أن يقول: «أبرهة قديس»، أو «المسافة بعيدة»، أو «القصة تشبه قصة أخرى عند المكابيين».

فهذه ليست أدوات حسم، بل مجرد مداخل لفتح النقاش، لا لإغلاقه بالحكم النهائي.

فالقرآن أثبت وجود أصحاب الفيل، وأثبت أن الله جعل كيدهم في تضليل، وأنزل بهم العقوبة. والجدل التاريخي -إن وُجد- يمكن أن يدور حول بعض الملابسات، أو تفاصيل المسير، أو شكل الهلاك، أو مدى مطابقة ما في كتب السيرة لكل جزئية؛ أما أن يتحول ذلك كله إلى إنكار لأصل الحدث، فهذه ليست «مراجعة علمية»، بل مصادمة صريحة للمصادر المؤسسة للقصة في الوعي الإسلامي.

رابعًا: هل كون أبرهة «قديسًا» ينفي عنه الحرب؟ هذه حجة واهية

من أكثر ما في كلام يوسف زيدان ضعفًا أنه يحاول أن يبرئ أبرهة من الحملة لا بدليل تاريخي مباشر، بل بوصف كنسي أو ديني، فيقول إن أبرهة أو أخاه أصبهة كانا «قديسين» في الحبشة، وكأن هذه الكلمة صك براءة تاريخي يمنع الرجل من خوض حرب أو توظيف الدين في السياسة أو الاعتداء على خصومه.

وقد خاض لويس السابع، ملك فرنسا، حملة صليبية لاحتلال مصر، وفشلت حملته وتم أسره، ثم قامت الكنيسة الغربية باعتباره قديسًا يُحتفى به حتى اليوم.

وهذا في الحقيقة استدلال بالغ الضعف؛ لأن التاريخ -الديني والسياسي معًا- مليء بملوك وقادة وحكام ارتبطت أسماؤهم بالتقوى أو الرعاية الدينية أو المكانة الكنسية، ومع ذلك خاضوا حروبًا، وقادوا جيوشًا، ونازعوا على النفوذ، وأعملوا السياسة في أبشع صورها.

فمنذ متى كان اللقب الديني مانعًا من الطموح السياسي؟

ومنذ متى كانت «القداسة» في السرد الكنسي دليلًا قطعيًا على أن صاحبها لا يهاجم خصومه، ولا يفرض هيبته، ولا يبطش بمن يراه عائقًا أمام مشروعه؟

بل إن أبرهة نفسه -في السياق التاريخي المعروف- لم يكن ناسكًا منقطعًا في صومعة، وإنما حاكمًا نافذًا في اليمن، وصاحب مشروع سياسي وديني معًا.

خامسًا: هل قصة الفيل «مأخوذة» من المكابيين؟

حتى لو وُجد تشابه، فلا يصنع هذا نفيًا للتاريخ.

من أكثر ما يلوّح به يوسف زيدان أن قصة الفيل مأخوذة من «الأسفار الأبوكريفية» أو من روايات المكابيين التي ورد فيها ذكر الفيلة.

وهذه دعوى تحتاج إلى كثير من التبصر قبل أن تُلقى على الناس كأنها مسألة محسومة.

نعم، هناك في بعض الدراسات الحديثة من ناقش وجود تشابهات سردية بين سورة الفيل وبعض الأدبيات السابقة، وطرح فرضية التأثر أو إعادة التوظيف القصصي.

لكن يجب أن يُفهم هذا في موضعه الصحيح:

التشابه بين قصتين لا يساوي تلقائيًا أن إحداهما ملفقة من الأخرى.

ووجود عنصر «الفيل» أو «العقاب الإلهي» أو «الطير» في سردية ما، لا ينسف بذاته احتمال وجود حادثة تاريخية مستقلة ارتبطت بأبرهة وحملته.

بل إن أقصى ما تقوله هذه الفرضيات -عند أصحابها- هو احتمال وجود صياغة بلاغية أو بنية تذكيرية أو تواشج أدبي، لا أنها أثبتت يقينًا أن العرب والمسلمين اخترعوا من العدم قصة أبرهة ثم ألصقوها بمكة.

سادسًا: أين الخلط المنهجي في كلام يوسف زيدان؟

يقع الخلط عند يوسف زيدان في أكثر من مستوى:

1- الخلط بين نقد التفاصيل وإنكار الأصل

قد يختلف الباحثون في تاريخ الحملة، أو في سنة وقوعها، أو في بعض ملامحها، أو في تفسير طبيعة الهلاك، لكن هذا كله لا يساوي نفي أصل الواقعة من أساسها.

2- الخلط بين غياب الدليل المستقل ودليل الغياب

عدم وجود نقش صريح -إن صحّ- لا يعني أن الحادثة لم تقع، وإلا لوجب علينا شطب مساحات واسعة من تاريخ العرب القديم.

3- الخلط بين الصفة الدينية والسلوك السياسي

كون أبرهة موصوفًا في تقليد كنسي بصفة دينية لا يجعل من المستحيل أن يقود حملة عسكرية أو يدخل في صراع على الهيمنة والرمزية.

4- الخلط بين التشابه الأدبي والانتحال التاريخي

وجود عناصر متشابهة بين قصة وأخرى لا يكفي للحكم بأن هذه نُسخت من تلك، فضلًا عن أن يتحول الأمر إلى نفي تاريخي كامل.

سابعًا: هل نملك يقينًا تاريخيًا بكل تفصيلة؟ لا.. لكن هذا لا يساوي الكذب

الإنصاف العلمي يقتضي أن نقول بوضوح:

ليست كل تفاصيل الروايات القديمة في هذا الباب على الدرجة نفسها من القطع. وقد يناقش بعض الباحثين المعاصرين جوانب من القصة، أو يرجحون أن بعض ما شاع في كتب السيرة اختلطت به إضافات تفسيرية أو وعظية.

لكن الذي ليس علمًا هو أن نقفز من هذا كله إلى جملة من نوع: «القصة كذب» أو «لم يحدث شيء من هذا أصلًا».

فالتاريخ لا يُكتب بهذه الخفة، ولا تُمحى به الذاكرة الإسلامية والعربية، ولا تُلغى به روايات السيرة والتفسير.

إن الحد الأدنى من الأمانة يقتضي القول إن أصل حادثة أصحاب الفيل حاضر في القرآن، وحاضر في المدوّنة الإسلامية المبكرة، ومتصل بشخصية تاريخية حقيقية هي أبرهة، وأن ما يمكن مناقشته علميًا هو مدى ثبوت بعض التفاصيل، لا اختراع نفي شامل بلا برهان قاطع.

ثامنًا: المشكلة ليست في السؤال.. بل في طريقة يوسف زيدان في طرحه

ليس عيبًا أن يسأل الباحث:

هل كل ما نرويه عن عام الفيل ثابت؟

هل ثمة مبالغات دخلت على السرد؟

هل توجد شواهد خارجية تؤيد بعض التفاصيل أو تعيد ترتيبها؟

هذه أسئلة مشروعة في البحث التاريخي.

لكن العيب كل العيب أن يتحول السؤال إلى استعراض على الشاشات، وأن تُختزل المراجع والقرون والتقاليد العلمية في جملة ساخرة، وأن يُخاطب الناس بمنطق: «كل ما عرفتموه خطأ، وأنا وحدي من يملك الحقيقة».

ذلك أن الباحث الحقيقي لا يكتفي بإثارة الغبار، بل يزن الروايات، ويفرق بين النص المؤسس والخبر التفسيري، ويعرض الاحتمالات بدرجاتها، ولا يبيع الشك للناس على أنه يقين.

أما من يصنع من كل قضية معولًا للهدم، ثم لا يضع في يد الناس بناءً علميًا متماسكًا، فليس مؤرخًا يراجع بقدر ما هو مثير جدل محترف يقتات على الصدمة.

ليس كل ما يُقال باسم «العلم» علمًا

في النهاية، ليست القضية دفاعًا عاطفيًا عن قصة نحبها، ولا انفعالًا لأن أحدًا اقترب من منطقة مقدسة، بل القضية دفاع عن الحد الأدنى من النزاهة العلمية.

فإذا كان يوسف زيدان يملك نصًا تاريخيًا قاطعًا ينفي حملة أبرهة على مكة، فليقدمه للناس بوضوح، وليضعه أمام المراجع الإسلامية المبكرة، وليشرح كيف سقطت روايات ابن إسحاق وابن هشام والطبري وابن كثير جملة واحدة.

أما أن يكتفي بعبارات من قبيل: «أبرهة قديس»، و«القصة مأخوذة من المكابيين»، و«لا يعقل أن يذهب لهدم بناء بسيط»، ثم يطلب منا أن نهدم بذلك بناءً تاريخيًا ودينيًا ممتدًا، فهذه ليست مراجعة علمية، بل مصادرة على المطلوب، وقفز فوق الأدلة، وخلط بين الفرضية واليقين.

ولذلك فإن الإنصاف يقتضي القول:

إن يوسف زيدان لم يثبت تاريخيًا كذب حادثة أبرهة وأصحاب الفيل، وإنما قدّم طرحًا صادمًا وانتقائيًا ومختلفًا عليه، يصح أن يُناقش، لكن لا يصح أن يُسلَّم له، ولا أن يُرفع إلى رتبة الحقيقة النهائية.

أما المراجع التاريخية الإسلامية المبكرة، فشاهدة على أن القصة ليست اختراعًا طارئًا، بل جزء من الذاكرة المؤسسة، والنص القرآني نفسه شاهد على أصل الواقعة، وإن بقي باب البحث مفتوحًا في بعض تفصيلاتها.

وبين باحث يناقش التفاصيل، ومثير جدل ينكر الأصول، مسافة كبيرة.

وفي هذه المسافة بالضبط يقف يوسف زيدان

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *