صلاح نجم يكتب:
في زمنٍ كان يُقال فيه إن «الفن رسالة»، أصبحت هذه الرسالة، للأسف، حبيسة خزائن عدد محدود من القنوات وشركات الإنتاج التي تمتلك المال والإنتاج والشاشات، وتتحكم في قرارات الظهور والغياب، حتى بات بعض الفنانين خارج المشهد، رغم امتلاكهم الموهبة والخبرة والتاريخ الفني.
نحن أمام أزمة حقيقية تتجاوز حدود الإنتاج إلى جوهر العدالة في توزيع فرص العمل، وتطرح تساؤلات مشروعة حول مستقبل صناعة الدراما المصرية، ودور الدولة في حماية واحدة من أهم أدوات قوتها الناعمة.
كيف يُعقل أن تتحول بعض القنوات الكبرى وشركات الإنتاج التابعة لها إلى كيانات مغلقة، تنتج وتعرض أعمالها، وتمنح البطولات للأسماء نفسها التي ترتبط معها بعقود تمتد لسنوات، بينما يجلس آلاف الفنانين والكتاب والمخرجين، من أصحاب الخبرات والمواهب الشابة، في بيوتهم بلا عمل؟
أين دور الدولة في حماية ثروتها الفنية؟ وكيف يمكن القبول بأن يصل بعض الفنانين الذين أفنوا أعمارهم في إمتاع الجمهور إلى أوضاع معيشية صعبة، فيما يعجز بعضهم عن توفير تكاليف العلاج والدواء؟ وأين ذهبت فنانات قديرات طالما قدمن أعمالًا تركت بصمة في وجدان الجمهور، ليجدن أنفسهن بعيدًا عن الشاشة، لا لغياب الموهبة أو الخبرة، وإنما في ظل تغيرات السوق وحسابات الإنتاج واختياراته؟
ولا يقتصر الأمر على أصحاب التاريخ الفني، فهناك أجيال شابة تمتلك الموهبة والطموح، استطاعت أن تثبت حضورها من خلال عمل أو اثنين، ثم وجدت الأبواب مغلقة أمامها، وكأن فرصتها انتهت قبل أن تبدأ رحلتها الحقيقية. فهل هذه هي الصورة التي نريدها لصناعة الفن في مصر؟ وهل يمكن الحديث عن مستقبل قوي للدراما المصرية في ظل ضيق مساحة المنافسة وتراجع فرص اكتشاف المواهب الجديدة؟
الفنانون لا يمتهنون جميعًا مهنًا أخرى، بل تمثل المهنة بالنسبة إلى كثيرين مصدر رزقهم الأساسي، وحياتهم التي أفنوا سنوات طويلة في بنائها. وعندما تُغلق أبواب الاستوديوهات أمامهم، ويغيب العمل عنهم عامًا بعد آخر، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد غياب عن الشاشة، بل بأزمة معيشية وإنسانية تمس آلاف الأسر.
المشكلة، في تقديري، ليست في نقص النصوص أو غياب المواهب، بقدر ما ترتبط بمدى إتاحة الفرص وتنوع الجهات المنتجة. فهناك كتاب يمتلكون أفكارًا جديدة، ومخرجون لديهم رؤى مختلفة، وفنانون قادرون على تقديم أدوار متميزة، لكن بعضهم لا يجد طريقًا إلى الإنتاج، في الوقت الذي تتكرر فيه الأسماء نفسها، وتُكتب أدوار كثيرة بما يتناسب مع اختيارات محددة سلفًا.
ومع تكرار هذه الدائرة، تتشابه الأعمال، وتتراجع فرص التجديد، وتفقد الدراما تدريجيًا جانبًا من تنوعها وقدرتها على التعبير عن المجتمع بمختلف فئاته وقضاياه. فالفن لا يمكن أن يزدهر في بيئة تضيق فيها المنافسة، أو تُختزل فيها فرص العمل في علاقات الإنتاج والتعاقدات الممتدة، مهما كانت أهمية الأسماء المشاركة فيها.
إن صناعة الدراما لا ينبغي أن تتحول إلى دائرة مغلقة تتداول فيها مجموعة محدودة من الأسماء الأدوار والبطولات، بينما يُترك الآخرون خارج الحسابات. فالموهبة لا تُقاس بمدى القرب من شركة إنتاج أو قناة بعينها، كما أن التاريخ الفني لا ينبغي أن يصبح بلا قيمة لمجرد تغير اتجاهات السوق أو ظهور موضة جديدة في اختيار النجوم.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي فتح هذا الملف بجدية، ومراجعة واقع الإنتاج الدرامي، والبحث عن آليات تضمن تنوع الجهات المنتجة، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإتاحة الفرصة أمام المواهب الجديدة وأصحاب الخبرات الذين ابتعدوا عن الشاشة لسنوات.
نطالب الدولة، ووزارة الثقافة، ونقابة المهن التمثيلية، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، كلٌّ في حدود اختصاصه، بالنظر في هذه الأزمة، وفتح حوار جاد حول مستقبل صناعة الدراما المصرية، وسبل حماية العاملين فيها من التهميش، ودعم بيئة إنتاج أكثر تنوعًا وتنافسية.
كما نطالب بإتاحة الفرصة أمام نجوم الصف الثاني والثالث، الذين يمتلك كثير منهم مقومات البطولة، لكنهم لم يحصلوا على الفرصة الكافية لإثبات قدراتهم. فربما يكون ما يُطلق عليهم نجوم الصف الثاني والثالث هم نجوم الصف الأول في أعمال لم تجد طريقها إلى الإنتاج، أو في ظل منظومة لم تمنحهم المساحة التي يستحقونها.
إن «ثورة غضب الفنانين» ليست مجرد عنوان مثير، بل تعبير عن أزمة تتجاوز الأفراد إلى بيوت كثيرة تضم فنانين وفنيين وكتابًا ومخرجين، رجالًا ونساءً وشبابًا، يبحثون عن فرصة عمل عادلة، وعن من يستمع إلى أصواتهم ويأخذ معاناتهم على محمل الجد.
ولا يستهدف هذا المقال الهجوم على شخص أو جهة بعينها، بقدر ما يدافع عن حق كل فنان ومبدع في العمل، وعن حق الجمهور في مشاهدة دراما متنوعة تعكس ثراء المجتمع المصري، وتحافظ على مكانة الفن المصري وتاريخه.
فهل تتحرك الجهات المعنية لفتح هذا الملف، أم تستمر الدراما المصرية في الدوران داخل الدائرة نفسها، بينما تظل مواهب كثيرة خارج المشهد؟












Leave a Reply