سفرة رمضان

Read Time:2 Minute, 1 Second

مائدة ضخمة بأحد عشر مقعدا ، تتوسط غرفة تتسع لها ومعها بوفيه من الخشب الزان تعلوه مرآة من الزجاج البلجيكي ، يحتل جزء منه راديو فيليبس من خشب الأبانوس له ظهر مخرم تُري منه اللمبات والمؤشر . الكرسي الحادي عشر منفردا علي رأس المائدة يجلس عليه أبي منصتا لصوت الشيخ محمد رفعت قبل أذان المغرب ، من هنا أحببت رفعت ، من يحبه أبي أحبه ، ينطلق مدفع الإفطار في رمضان ، يردد أبي دعواته الطيبة لله ، يتغزل في كل طعام علي المائدة ، يُسعد أمي الغزل في أطباقها ، يُكمل إفطاره بعد صلاة المغرب وإحتساء الشاي بالنعناع .

 

غُرفة طعام كانت مُلهمة البهجة في رمضان ، تجمعنا بحب علي أطباق طعام شهي ولو كان بسيطا ، صُنعت ذكرياتي حول مائدة يتوسطها صينية كنافة ساخنة بالمكسرات ومسلسل إذاعة الشرق الأوسط ونحكي ونضحك ونضحك ونحكي ، بهجة تتكرر لا نريد لها أن تنتهي .

 

السُفرة كانت أحد روائح رمضان التي لا تُنسي ، اللمة وقتها كانت لَمّة ، تُعد الأطباق من العصر بينما تمتزج روائح الطعام الشهية بمهارة في منور العمارة الذي تطل عليه شبابيك المطابخ ، السلف مسموح من حفنة ملح إلي رشة فلفل ، رأس بصل أو فصين توم . والوصفات أيضا موصوفة لطبيخ رمضان ، تجرب أمي وصفة مختلفة لطبخ البامية وترسل طبق منها إلي جارتنا تتذوقه وتحكم .

 

علي السُفرة لا يُخطئ أحد كرسيه ، مازلت أتذكر صُحبة الفرح التي تُضاعف السعادة ببركة رمضان ، جَنّة رمضان بالناس الحلوة التي تكون جزء منها . حتي إذا مضت السنوات وانفرط عُقد الأحِبّة أدركت روعة ماكنت تقضي رمضان فيه ، حتي إذا فرغ كرسي من صاحبه وانفضت اللمة الحلوة أيقنت أن السُفرة التي كانت تضم ناسها علي فطار رمضان كانت سفينة نوح التي ترسو بنا علي بر الأمان .

 

غادر أبي كرسيه الأثير علي سُفرة رمضان ، ظل الكرسي فارغا إلا من شجن وذكريات ، حين رحل أدركنا أن سُفرة رمضان لم تعد صندوق البهجة ولا طاولة الشبع ، أدركت أن الكرسي الفاضي كسر دائرة السعادة التي كانت تضمنا علي صوت الأذان !

 

كل رمضان أذكر التفاصيل ، أستدعي زمنا لم يعد معي ، ووجوه تفرقت وتركت كراسي حزينة ، أحكي عن مائدة كنت أراها الحياة ، وكانت فعلا هي الحياة .

 

مازلت أُدين لسُفرة رمضان بما أحمله في قلبي من ذكريات ، عندي حنين لطبق الفول الذي كانت يتوسط كل طعام ، لصينية الكنافة التي صُنعت ببطء علي النار ، لطبلة المسحراتي الذي كان يمر كل ليلة تحت شباك البيت يغني أسامينا . فتجمعنا سُفرتنا الكبيرة من جديد نأكل ونضحك ونستعد لصلاة الفجر وقلوبنا سعيدة .

بقلم / يسري الفخراني 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *