زرافة محمد علي باشا!
منذ قرنين، تقريبا، تقف «زرافة محمد علي باشا» وادعة بمتحف التاريخ الطبيعي بـ «لاروشيل» في باريس، قضت 21 سنة منها على قيد الحياة، وحوالي 180 سنة مُحنَّطة. لتُذكِّر الجميع بحكاية ارتجّت لها فرنسا عند قدوم الهدية من والي مصر، إلى الملك «شارل العاشر». وكانت أول مرة يرى فيها الفرنسيون الزرافة.
آنذاك. شهدت العلاقات المصرية الفرنسية تدهورا آنذاك لاشتراك جيش مصر بحرب المُورَة 1821، ما أغضب فرنسا وانجلترا اللتان ساعدتا اليونان بقوة، وبادرتا لتحطيم الأسطول المصري في موقعة «نافارين» المعروفة. ولمَّا هدأت الأحوال قليلا أراد الباشا ترميم علاقته بفرنسا. وبمشاورة «برناردينو دروفيتي» القنصل الفرنسي العام، اتفقا على إرسال زرافة إلى الملك شارل المُولع بالحيوانات النادرة. فكانت هدية فريدة، اشتهرت لاحقا بـ «ديبلوماسية الزرافة».

ذُكرت حكايتها في كتابيّ «زرافة محمد علي باشا»، تأليف «مايكل آلين»، وترجمة «مجدي شرشر»، والصادر عن دار الهلال، و«العلاقات المصرية الفرنسية في عهد محمد علي» للباحثة «كارولين كورخان» وأصدره المركز القومي للترجمة، بترجمة «نانيس عبد الوهاب».
ويُذكر أن «موكر بيه» أحد أعيان السودان كان سببا في تلك الفكرة، حين أرسل مُصادفة، زرافتين هدية إلى «محمد علي باشا». وكانتا بعمر شهرين، لم تُتما رضاعهما. وبرفقتهما ثلاثة رعاة من السودان، فأُودعتا حديقة قصر رأس التين لحين إكمال إجراءات السفر.
حين علم قنصل بريطانيا بخبر هدية الباشا إلى «شارل العاشر»، طلب إرسال زرافة مماثلة إلى التاج البريطاني. فوافق الباشا فورا على إرسال الثانية إلى بريطانيا. واقترح على القنصلين الاقتراع على الزرافتين حتى لا يغضب أحدهما. وبهذا الخصوص كتب قنصل فرنسا «برناردينو» إلى وزير خارجيته بباريس: «..سعيد بإعلام سعادتك أن القرعة على الزرافتين كانت من حظنا. فقد حصلنا على الزرافة القوية والنشيطة. أما التي كانت من حظ بريطانيا فمريضة، ولن تعيش طويلاً».
وماتت الزرافة فعلا بعد أشهر قليلة، لذا انقطعت سيرتها بعكس الأولى تماما.
في 29 سبتمبر 1826 أقلعت سفينة شراعية يقودها القبطان الإيطالي «ستيفانو منارا». أُعدّت في سطحها فتحة تسمح للزرافة بمد رقبتها بطولها، وغُلّفت حافتها بالقش لحماية رقبتها من الخبط والجرح في حال اضطراب البحر، ووُضعت فوقها كسوة لتقيها الشمس والمطر. وأبحرت السفينة من الاسكندرية وسط مراسم عسكرية، وتهليلات الحشود.

وأمر الباشا بتجهيز حاشية للزرافة، ضمّت الحارس «حسن البربري»، والراعي «عطير السوداني»، وشدَّد على أن يرتديا زيّاً مملوكيا زاهياً لإبهار الفرنسيين. وبصحبتهما أيضا مساعدين سودانيين آخرين، لم يهتم أحد بذكر اسمهما ولا مصيرهما مرة واحدة. وبقرتان حلاَّبتان، لتوفير اللبن للزرافتين، فكانتا بحاجة لـ 25 لترا يومياً.
وصلت المركب مرسيليا 31 أكتوبر 1826. وكان في استقبالها حاكم المدينة، الذي وصف الزرافة بـ «الأفريقية الجميلة», وبـ «الكنز الثمين», وخلبت لبّ الحضور بعينيها الواسعتين، وخجلها، ولين طباعها. ولأن بقرة من المرضعتين أصيبت بدوار البحر. أودعوا الحيوانات الحجر الصحي بالميناء 40 يوماً. استعد خلالها حاكم مقاطعة «بوش دون رون» لاستقبال «هدية الملك», بتشييّد بيت عالٍ يناسب طولها، به تدفئة خاصة، ونُقلت إليه الزرافة ليلة 14 نوفمبر 1826 خشية تجمهر الناس إذا نُقلت نهارا.
قرر العالِم «جوفروا سانت هيلير» المكلف من الملك برعايتها، أن تبقى الزرافة بمرسيليا إلى الربيع، لتعذر نقلها إلى باريس تحت الأمطار، أو في وجود الثلوج التي تغطي الطرق لأنها حيوان استوائي اعتاد الحرارة فقط.
ودأب حاكم مرسيليا على إرسال تقرير يومي عن الزرافة إلى وزير الداخلية، لإظهار احتياطات حمايتها. وطلب المصروفات التي زادت عن ميزانية المدينة، فأرسلتها إليه الحكومة لأجل عيون الزرافة، وفق وصف جريدة «illustration» التي نشرت رسما بالحجر للزرافة قبل إنزالها من السفينة.

ونظّمت زوجة حاكم «بوش دو رون» حفلات استقبال للطبقة البرجوازية ليشاهدوا الزرافة. وتوافد إليها علماء لتسجيل تفاصيلها، وسلوكها. ودهشوا من صمتها، واكتشفوا أن الزرافة لا تمتلك أحبالاً صوتية لطول رقبتها.
قرر الحاكم إخراج الزرافة للتنزه يوميا، فباتت فسحتها مُتعة خالصة لأهالي مارسيليا. يتقدم موكبها خيّالة الدَرَك في مشهد باهر. فيما تتهادى هي مزهوة بنظرات وصيحات الإعجاب على جانبي الشوارع.
بحلول الربيع بدأت رحلتها إلي باريس, سيراً على الأقدام، يوم 20 مايو 1827، تحت إشراف العالم «جوفروا سانت هيلير»، الذي جلس بجانب سائق العربة لمعاناته من الروماتيزم. وكان قد أمر بتفصيل غطاء فخم يحميها من المطر، طُرِّز عليه رمزيّ فرنسا ومصر، وزُيّنت حوافه بشريط أسود، وثبَّتُوا بأقدامها أحذية طويلة لحماية أظلافها خلال رحلة تمتد لخمسمائة وخمسين ميلا.
بجانب بقرات الحلب، ضم الموكب مترجما، وعربة خيول لحمل الحبوب والأغذية. وتعزيزات الحراسة. وقبل الانطلاق بوقت كافٍ راسل «جوفروا» المدن التي ستمر عليها الزرافة لتجهير إسطبلات بأسقف مرتفعة 13 قدما، في محطات محددة، لتستريح فيها الزرافة طوال المسافة إلى باريس. وحدث أن دخل مسمار في قدم الزرافة فقرر أن تستريح خمسة أيام في مدينة ليون. وكان «جوفروا» سعيداً باحتفاء جموع الناس بها في كل الأماكن، واعتناء السلطات المحلية الفائق.
وفي كتابه «زرافة الملك» الصادر سنة 1985 نوّه «غابرييل داردو» إلى:«إن أكثر من ثلاثين فندق صغير ومكتب بريد ومخزن اختاروا الزرافة شعاراً. ولا يزال ظاهراً على تلك الأماكن إلى الآن».
وصلت القافلة باريس يوم 30 يونيو، واستقبلتهم حشود هائلة من الناس. وخوفاً عليها من مشقة السفر أودعها «جوفروا سان هيلير» حديقة النباتات.
أعلن الملك شارل رغبته برؤية الزرافة في اليوم التالي، فشقّ موكبها أنحاء باريس وسط أبَّهة حامية المدينة، يتقدمهم جنرلات على صهوة جيادهم، صدورهم مزيَّنة بنياشين وريش. و«جوفروا» يئن من آلام الروماتيزم لأنه قطع مسافة 15 كم مشياً بجانب الزرافة.
وداخل القصر الملكي توقف الموكب أمام الملك «شارل العاشر» الذي ارتدى ثيابا رائعة احتفالا بالزرافة، وزيّن خصره بحزام أزرق خطف الأبصار. ومعه ابنه دوق «أنجولم» ولي العهد، ودوقة «دو بيري» تمسك بطفلين بهرتهما الزرافة، فلم ينزلا أعينهما عنها لحظة.
أطعم الملك الزرافة «تيجان الورود» بيده، وهو ينصت إلى حديث «جوفروا» الممتع، وشكره بحرارة، هو و«حسن البربري» و«عطير» بحميمية، وحمّلهُما شكره وتحياته لـ «محمد علي باشا». وبعد استمتاع الجميع، عادت الزرافة إلى حديقة النباتات عبر شوارع اكتظت بالناس والصياح.
وصباح اليوم التالي تصدرت صور (مرسومة) «حسن البربري» و«عطير السوداني» مع الزرافة صحف باريس، تحت عناوين: «المصرية، والأفريقية الجميلة، والحيوان الأسطوري. وهدية محمد علي والي مصر تصل إلى باريس بعد رحلة استغرقت شهورا، وهي الآن في صوبة زجاجية بحديقة النباتات».

كلَّفت الزرافة خزينة فرنسا 4500 فرنك، وهو رقم كبير جدا وقتها، غير أنها أحدثت انتعاشة اقتصادية واسعة النطاق. حيث سارع صنّاع النسيح لصبغ أقمشتهم بألوانها، ومثلهم صنَّاع الحقائب والأحذية والخزف، ونُقشت صورتها على الأطباق. وطُبعت على الأوراق والمراوح اليدوية ومختلف المطبوعات.
وابتكرت مصانع الحلويات والأفران مخبوزات على شكل زرافة. وصفّفت السيدات والفتيات شعورهن بتسريحة الزرافة. واعتمر الرجال قُبّعاتِ بلونها، واستخدموا أربطة عنق بهيئة الزرافة.
وأطلق اسمها علي شوارع وميادين، وصنع الجواهرجية أقراطا وقلادات وبروشات الزرافة بتنويعات مبهرة.
ونحت الفنانيّن «انطوان لويس» و«فرانس تومسون» تمثالين للزرافة، وأُطلق عطر «ذات الرقبة الطويلة»، وتلونت مشدّات الصدر وقُمصان النوم الحريرية بالأصفر والبُنّيّْ، ونُسبت إليها أطباق الطعام، حتى الإنفلونزا أُسميت «انفلونزا الزرافة». ما دفع «أوليفر ليبو» للكتابة عن ظاهرة «الزرافمانيا».
ورصدت الأديبة «رشا عدلي» في روايتها البديعة «آخر أيام الباشا» سيرة الزرافة بتوسع، وجعلتها الخط الأساسي لها، وميزان التكنيك الرئيسي الذي يدور حولها طوال الوقت، وأفاضت بمختلف التفاصيل. ومنها استضافة أحد أشهر صالونات باريس الثقافية، وصاحبته مدام «شانتال» «حسن البربري» في أمسية مشهودة، حضرها أشهر كتاب فرنسا حينذاك. بلزاك، وفيكتور هوجو، وستاندال، وألكسندر دوما، وشاتوبريان، وفيرنييه، وجيران، والفنان «دو لا كروا» صاحب لوحة الثورة الفرنسية الشهيرة.
بهرهم حديث حسن عن الزرافة، وعن والي مصر، وكشف لهم متاجرة القنصل الفرنسي بالآثار، فكتب «دُوما» قصة حب «حسن وشانتال» التي تأججت بينهما لاحقا، وذاع صيتها، وكشفت عنصرية الفرنسيين برفض غرام شانتال بحارس الزرافة الأفريقي، وانتقد «دُوما» العنصرية البغيضة في مسرحية استلهمها من قصتهما «شارل العاشر وإقطاعييه الكبار».
وكتب «هوجو» مقالة عن حسن في «فيجارو»، وهاجم «شاتوبريان» هدية الباشا، وقنصل فرنسا بعد افتضاح أمره. ورسم الفنان «كلود دووبوف» بورتريه رائع لـ «حسن البربري» ما يزال معلقا بمتحف اللوفر، ويحقق مشاهدة إلى الوقت الحالي لا تقل عن «موناليزا».
لم يشغلني السؤال: ما هو التخييلي، وما الواقعي في الرواية؟ لأنها منحتني متعة صافية، ومستوى أدبي رصين وباهر، مبني على حقائق تاريخية فريدة.
وروعي في صوبة الزرافة الزجاجية موازنة مناخ موطنها الحار، فجُهزت مدفأة بموقد، وبجانبها ملحق للبقرات. وغرفة «عُطير» الذي ظل إلى جوارها حتى ماتت عام 1845، وأثرى من عطايا جهور الزرافة التي زارها أكثر من 600 ألف شخص فقط في شهورها الأولى، وظلت تنافس برج إيفل في عدد الزوّار. ولا يدري أحد على وجه الدقة مصير «حسن البربري» الذي اختفى هو وشانتال بتوقيت واحد. وغادر «عطير السوداني» حديقة النبات، وآخر ما عرفه قبل اختفائه أنهم سيحنّطُون الزرافة لاعتزازهم بها.
نفقت الزرافة عن 21 سنة. بعدما أغرقت الفرنسيين بالبهجة لعقدين، ووُضعت في مكان بارز بقسم الطبيعيات. وبين الحربين العالميتين، نقلها محافظ المتحف الطبيعي إلى لاروشيل حيث تقف هناك مُحنّطة إلى الآن.
أسامة الرحيمي


Average Rating