اختفاء حصري
لم يكن الليل يريد أن يغادر، سهرنا حتى جفت الحكايات في حلوقنا، وانتهى كل ما معنا من طعام وشراب دون أن نشبع. ضج في آذاننا نقيق الضفادع، وطنين البعوض الجائع، ونهيق حمار لم يكف منذ أول المساء عن إرسال استغاثات من شيء لا نعرفه.
لم نكن ندرك حين تنادينا للسهر أن أحدًا قد سرق النهار أو حبسه في قمقم بأرض بعيدة لن نبلغها. اشتعلت في أفئدتنا أمنيات عذبة بأننا قادرون على إحضار البهجة إلى هذا المكان المنسي خلف قرية، يغط أهلها في نوم عميق. كنا نمر على هذا المكان في النهار فنجده قحلًا، رغم اقتراب الترعة منه، وقدوم الكلاب إليه بلا انقطاع لتبلله.
كان مستويًا صلدًا لا ينتمي إلى كل ما حوله من أرض لينة، فرأيناه صالحًا للرقص والغناء، لكنه بدا أضيق من أن نتخذه ملعبًا لكرة القدم التي أجهدنا الجري خلفها من بعد العصر وحتى مغرب الشمس. حسبنا أن التعب سينال منا وننصرف في نصف الليل أو ثلثه، إلا أن طاقة جبارة كانت تسري في أوصالنا وتدفعنا إلى بقاء أذهاننا مفتوحة، وعيوننا شاخصة في الظلام.
مات القمر سريعًا في الغرب منا، واشتد الليل حتى أننا لم نعد نرى وجوه بعضنا رغم تجاور أجسادنا، ولم يكن بمقدور أي منا أن يهتدي إلى مكان وجود صاحبه إلا بسماع صوته. لكن الأصوات أيضًا راحت تتغير بتقدم الليل، وصارت طليقة أكثر مما اعتدناه، حتى أن كل واحد صار غريبًا على أخيه، فاتفقنا على أن يُعلن كل منا عن اسمه قبل أن يُحدثنا في أي شيء.
لم تلبث أن تبعثرت الأصوات والأسماء، حين أدركنا أن كل صوت ألفناه ونسبناه لصاحبه قد تغير على نحو عجيب.
قال أحدنا محاولًا تفسير ما يجري لنا:
ـ هذه البقعة يسكنها الجن.
وسأل آخر:
ـ ألم تلاحظوا مع وجود القمر أنها كانت مظلمة؟
رد ثالث عليه:
ـ حتى في النهار أراها رمادية حين أمر عليها بينما الشمس تملأ الكون نورًا.
رابع نهرنا:
ـ كفوا عن هذا الحديث فقلبي يرتج من الخوف.
قلت لهم مغالبًا خوفي:
ـ لننصرف.
هممنا لننهض لكننا اكتشفنا أن الأرض لا تريد لنا أن نغادرها. شيء لا نعرفه كان يجذبنا بشدة لنبقى جالسين. دفعنا أكفنا وثبتناها أسفلنا، واتكئنا عليها كي تعيننا على الوقوف لكنها هي الأخرى التصقت مكانها.
العجيب أن ثلاثة كلاب كانت تمرح إلى جانبنا، بعد أن قضت حاجتها، وزكمت أنوفنا روائح بولها الساخن. راحت تقفز وتتمرغ مكانها، ويلاعب بعضها بعضا، ثم ولت هاربة، ونحن نحسدها على الحرية التي تحياها.
ثقلت سوقنا وأفخاذنا بعد أن زحفت داخلها جيوش من نمل غير الذي نعرفه، وتيبست ظهورنا كأنها صارت ألواحًا من حديد، بعدها ثقلت ألسنتنا ولم تعد قادرة على النطق، حركناها ببطء بين الشُدق المتصلبة، لكن الحروف ماتت مكانها.
عوت ريح عاتية فجأة، ففرحنا بها آملين أن تزحزحنا خارج هذا المكان، لكنها لم تفعل. أهالت علينا الغبار والقش وورق الشجر الجاف، وريش الدجاج الذي ألقته النسوة على شاطئ الترعة وكثيرًا من الحصى الصغير الذي ضرب وجوهنا بقسوة.
شعر كل منا بأخيه وهو يفكر، على سبيل التمنى، في زلزال رهيب يرج الأرض تحتنا فيخلعنا، ويرمينا بعيدًا عن هذا المكان، لكن الأرض لم ترتج، وإن كنا قد تنبهنا إلى الطريقة الجديدة للتواصل بيننا. كل الكلام المحبوس داخلنا سمعناه، دون أن ينطق أي منا بشيء. ورأينا الصفرة التي ملأت وجوهنا رغم اشتداد الظلام، وتعذر الرؤية تمامًا.
لم يحدث هذا لأحد من أهل قريتنا قبلنا، وإلا كان قد حكى وعرف الناس جميعًا كيف يتجنبون هذه البقعة الأرضية المنسية. وصل ما يدور في ذهن كل منا إلينا، وأسعفنا بعض ما درسناه على تفسير لا نطمئن إليه:
“هذه أرض سقطت من كوكب بعيد جدًا، لكن أي من الكواكب التي نعرفها في مجرتنا تفعل هذا بمن يدب عليها؟”
لم تكن لدى أي منا إجابة، وأدركنا في هذه اللحظة أننا سنشيخ مكاننا، ونموت، وقبل أن تصبح أجسادنا نتنة، ستأتي الكلاب لتنهشها. ما سيتبقى سيتحلل، وحدها العظام ستبقى، وتنغرس في الأرض الصلدة، التي ساورنا شك أنها ليست سوى ركام هائل من عظام وجماجم كل الذين جلسوا هنا قبلنا، ولم يرجع أي منهم ليحكي ما جرى له، إنما كان أهل قريتنا يتحدثون دومًا عمن يختفون جيلًا بعد جيل، دون أن يعرف أحد سر غيابهم الأبديّ.
د. عمار علي حسن
من مجموعة قصصية قيد النشر.

Average Rating