محمد حماد* يكتب:
بقي مدفوناً بين أكوام الكتب القديمة، اعتاد رائحتها المميزة، كما اعتاد على الحياة في بطن هذا السرداب الذي انفرجت فيه منذ زمن قليل طاقة ضوء لا يعرف من أين يأتي، ولا يدرك كنهه، ولا ماهيته على الحقيقة،
مضت أزمانٌ طويلة لا يدرك طولها وهو يعيش في ظلمة ذلك السرداب يتنقل بين طبقاته واحدة وراء الأخرى، كلما انتقل إلى طبقة كانت تطويه داخلها وتقذف به إلى أخرى كأنه ولد من رحمها إلى طبقة جديدة سرعان ما تقذف به إلى ما بعدها، ثم تختفي تلك المطويات التي حوته واحدة في أعقاب أخرى، تتملكه الدهشة وهي تبتعد عنه، تبدو له كأنها ذيل مهر أصيل أوله من ناحيته ضخم وآخرة من الطرف الآخر دقيق كالشعرة.
على مر الزمان وتعاقب الأيام كان هناك نور على الدوام يؤنس وحشته، لا يعرف من أين يأتيه كل هذا النور، كأنه مفطور فيه، يشعر به داخله، ما أن يضع عينه على شيءٍ حتى يراه، وتختفي من الصورة كل الأشياء التي تخرج عن نطاق رؤيته، أجمل ما حدث معه أنه لم يكن يرى تلك الأشياء المادية وحدها، الكتب من حوله، ودرجات السلم التي ما أن يعتلي إحداها حتى تظهر أخرى غيرها من الدرجات، بينما تختفي تلك التي تخطاها.
أحس بأعماقه تهتز بعنفٍ حين رأى ما يفكر فيه، رأي العين، كانت أفكاره تعرض عليه كأنها شريط سينما يتحرك أمام ناظريه، عرف قصة وجوده حين سأل نفسه كيف جئت إلى هنا، وهزه بعمق حين أضاءت حوله حقيقة أنه حلقة من سلسلة طويلة يشبههم، ويشبهونه، كأنه الطبعة الجديدة من أولهم، يشبهه حد التطابق، لكنه أكثر فتوة منه، يبدو هذا الأصل شيخاً عجوزاً يضج من وجهه النور نفسه الذي يراه حوله ويشعر به داخله، كأنه قادمٌ من عالم الذَّر إلى عوالم الحقيقة والتحقق.
تلك الأوراق التي تراكمت في المحيط الذي يتحرك فيه كأنها مدونات مكتوب فيها ما كان، ومدون فيها ما سوف يكون، لحظة أراد أن يطلع على المكتوب تلاشى التدوين، وتحركت أحبار الكتابة في دوائر متداخلة، تكبر دائرة منها فتبتلع الدوائر الأخرى التي تصغر، تأخذه واحدة منها بين دفتيها وتُطلعه خلسة على ما دون على حوافها المهترئة.
راح يقرأ مبهورًا لا يكاد يسمع غير حشرجة صوته المكتوم ، بينما تأتيه أصوات من كل الأنحاء أن اُخْرُجْ هذا وقتُك، وقد أظلّ زمانُك، وتلك بعثتك الأخرى، فسلامٌ عليك يوم كنت، وسلامٌ عليك يوم تكون، ومدَّ الله ظلَّك على حيّارى ما.
*كاتب صحفي














Leave a Reply