زوجة الرئيس!!

قبل أيامٍ، كتب أحد قيادات حملة المرشح الرئاسي المحتمل أحمد الطنطاوي مقالاً بعنوان (لا للعودة إلى عصر الظلام) أعلن فيه أنه قام بالانسحاب من حملته بمجرد أن عرف يقيناً أنَّ حرم سيادته منتقبة، وأرسل إليه رسالةً بدأها بقوله (أنا مضطر، والحزن يعتصر قلبي، أن أنسحب من حملتك، فلا يمكنني بأي حال من الأحوال تَقَّبُلُ فكرةِ أن سيدة مصر الأولى التي ستمثلنا في الساحة الدولية منتقبة).
لي اعتراضٌ مبدئيٌ على لقب (سيدة مصر الأولى) الذي ذَكَرَه الصديق المنسحب وكأنه من المُسَّلَمات السياسية، مع أنه أحد المبتكرات والِبِدَع السيئة التي حَمَلَتْها السيدة جيهان صفوت معها وهي تدخل قصر الرئاسة مع زوجها (رحمهما الله وكُلَّ من سيَرِدُ ذِكْرُه في هذا المقال) ضِمن بِدَعٍ أُخرى مِثْل نسبة اسمها إلى اسم زوجها، وغير ذلك من التقاليد الغربية دون أيِّ سندٍ من عُرفٍ أو تقاليد أو دستور أو قانون.
كُنتُ قد عَنْوَنتُ هذا المقال (زوجة أحمد) وهو عنوان إحدى روائع إحسان عبد القدوس (وهو بالمصادفة زوج خالة الصديق المُنسحِب) ولكنني رأَيْتُ أن المسألة تستحق أن تتجاوز زوجة الرئيس المحتمل (أحمد) إلى إشكالية زوجة الرئيس الفعلي بصفةٍ عامةٍ (ما كان وما ينبغي أن يكون) .. فقمتُ بتغييره إلى عنوانٍ أكثر اتساعاً (زوجة الرئيس).
ونحن هنا نطرح سؤالاً سَبَقَنا إليه الفقيهُ القانوني والوزير التاريخي والبرلماني الوطني الكبيرُ الدكتور محمد حلمى مراد عندما تصاعد دور الزوجة الثانية للرئيس السادات في الشأن العام، في مقالٍ شهيرٍ عن (ما هو الوضع الدستورى لزوجة الرئيس) .. وخلص فيه إلى أنه ليس لها أي وضع دستوري غير وَضْعِ أيِّ زوجةٍ مصرية عاديةٍ لأيِّ مواطنٍ مصريٍ عادِيٍ .. وقد كان هذا المقال أحد الأسباب التي أدت إلى اعتقاله في حملة سبتمبر ١٩٨١.
وبصفةٍ عامةٍ، لم ينشغل عموم المصريين في العصر الحديث بزوجات حكامهم، طالما ابتعدن عن شُبهة التأثير على القرارات العامة.
فباستثناء التصرفات المعيبة لنازلي (كزوجةٍ لملك ثم أُمٍّ لآخَر) لا يذكر التاريخ انتقاداتٍ لزوجات الحكام في العهد المَلَكِي .. اللهم إلا بعض الرذاذ الذي أصاب الزعيم مصطفى النحاس بعد زواجه المتأخر من السيدة زينب الوكيل.
واستمر الحالُ كذلك في العهد الجمهوري .. فرغم تَبايُنِ المواقف من الرؤساء تأييداً أو خصومةً، فإن الخصومات والانتقادات لم تمتد إلى زوجاتهم.
فلم يتطرق أحدٌ إلى الحياة الخاصة للرئيس محمد نجيب ولَم يكن هناك أيُّ دورٍ عام لزوجاته (أربع زِيجات) سواءٌ أثناء تَصَّدُرِه لواجهة ثورة يوليو أو بعد تقييد إقامته في قصر السيدة زينب الوكيل في المرج.
ولم تُنشَر أَيُّ صورةٍ للسيدة تحية كاظم زوجة الرئيس جمال عبد الناصر حتى سنة ١٩٥٩ مع زوجة الرئيس اليوغسلافي تيتو .. ولَم تمارس أيَّ دورٍ عامٍ .. وكانت سيدةً مثقفة وغير مُحَّجَبَةٍ .. وظلت موضع احترامٍ حتى من خصوم زوجها.
وكانت السيدة نجلاء زوجة الرئيس محمد مرسي ترتدي الخمار وكان لها نشاطٌ داخل جماعة الإخوان قبل دخولها القصر الرئاسي مع زوجها .. ولكنها لم تمارس أيَّ نشاطٍ عامٍ أثناء رئاسة زوجها، ومِن ثَمَّ لم تتعرض لانتقاداتٍ حتى من خصوم زوجها (باستثناءاتٍ قليلةٍ مُوَّجَهة).
وكانت زوْجتا الرئيسين السادات ومبارك هما الاستثناء الوحيد، فقد خَصمَ تَدَخُلُهُما في الشأن العام من رصيد الرضا الشعبي عن زوجيهما .. رغم أن بعض التدخل كان ذا مردودٍ إيجابيٍّ (كمشروع الوفاء والأمل بالنسبة للسيدة جيهان، ومشروع مكتبة الأسرة بالنسبة للسيدة سوزان).
أما فيما يختص بانزعاج الصديق المنسحب من تمثيل مصر في الساحات الدولية، فلعله لا يعرف أن مراسم وبروتوكولات الاستقبالات واللقاءات الدولية يحددها رضا الطرفين معاً دون إلزامٍ من الضيف للمضيف أو العكس .. وقد دَلَّلَ السيد صلاح الشاهد مدير المراسم في العهدين الملكي والجمهوري على هذا المبدأ بما رواه عن تهديد عبد الناصر بإلغاء زيارته لليونان إذا لم يتم تعديل مراسم الاستقبال التي كانت تَنُّصُ على أن يقوم هو وملك اليونان يتبادل تَأَّبُط ذراعي زوجتيهما (وقد استُجيب له بالفعل) .. ولَم يَقُلْ أحدٌ إنه تَصَّرَف كصعيديٍّ لا كرجل دولة أو أنه كان ذا أفكارٍ رجعيةٍ(!).
ثم إن زوجات معظم حكام الملكيات العربية لا يشاركن في اللقاءات والاستقبالات الدولية دون أدنى انتقاد.
لا أدري إن كانت زوجة أحمد الطنطاوي منتقبةً أم غير ذلك .. ولا يعنيني أن أعرف .. لكن من المؤكد أنَّ أجهزة الدولة التي دَأَبَتْ على تشويهه تَعرف .. ومع هذا لم تتطرق إلى هذا الموضوع (لعل أحداً ممن لم يغادرهم الذكاء بَعْدُ في هذا النظام قد فَطنَ إلى أن إثارة الموضوع قد تُضيف إلى الطنطاوي تأييداً بأكثر مما تخصم منه) .. لذلك تُدهشُنِي حُرقة الصديق المنسحب في تناول هذا الموضوع في هذا التوقيت الحَرِج.
في مصر التي نريدها، لن تكون حَرَمُ الرئيس زوجةً خارقةً لرجلٍ خارقٍ .. هو نفسه ليس إلا خادماً عاماً ملتزماً بالعَقْدِ المُوَّقَعِ بيننا (الدستور) .. ولا يعنينا من حياته الخاصة إلا أن لا يكون فيها ما يشين.
أما سيدةُ مصر الأولى فهي في رأيي كلُّ مصريةٍ تُلاطِمُ ظروف الحياةِ الخانقة لتسند ظَهْرَ رَجُلِها (زوجها أو ابنها أو أبيها أو أخيها أو كل هؤلاء معاً) داخلَ السجون وخارجها .. أيَّاً كان ما ترتديه.

بقلم مهندس/ يحيى حسين عبد الهادي

من صفحته على فيسبوك

الخميس ١٢ أكتوبر ٢٠٢٣

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *