النبوة في ميزان العقل والنقل

Read Time:7 Minute, 54 Second

د.عادل القليعي يكتب: * 

رب سائل يسأل ما الذي سيضيفه هذا المقال لكل ما كتب عن هذا الموضوع من آراء أيدت النبوة وحاجتنا إليها،وحاجتنا إلي النبي،وبين من رفض النبوة مستغنيا بالعقل عنها.
أقول إننا سنفد آراء كل طائفة علي حدة ونناقشهم بمنطق العقل لأن ذلك سيكسب الفكر حيوية واستمرارية.
ثم أمر آخر هل الجميع قرأ عن النبوة،صحيح المتخصص في الفكر الاسلامي بحثها بحثا مستفيضا،وعالم الدين أيضا تعاطي هذه المسألة،والخطابيون من الجمهور سلم بها تسليما.
إذا لكل فريق رؤيته وزاويته التي نظر من خلالها لهذا الموضوع.
بداية سؤال نطرحه،لماذا أرسل الله تعالي الرسل وما حاجتنا إليهم؟!
نرد نقلا وعقلا.أما النقل،فالقرآن الكريم رد علي هذا السؤال في غير موضع من آيات الذكر الحكيم،(رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل)فالغاية،البشري بعظيم فضل الله وأن ثم إله خالق بارئ مصور،يتولي أمر العباد ولا يتركهم هملا،وأن ثم قانون إلهي،وناموس تشريعي يكفل حقوق الإنسان،حقوق الإنسان بحق وليست شعارات يتشدق بها المتشدقون،قانون إلهي الناس أمامه متساوون في الحريات والحقوق والواجبات،قانون ليس ثمة عنصرية تشوبه أو تخالطه،قانون شعاره لاظلم اليوم،هذه هي بشارات الأنبياء بعد أن كثر الطغيان واستفحل خطر الطواغيت الذين بغوا في الأرض وطغوا وأكثروا الفساد،فحقيق على الإله أن يبعث لنا رسلا منا من أنفسنا ليخرجونا من الظلمات إلى النور،تلك هي البشارة.
ومنذرين بعقاب الله تعالى لمن يخالف السنن الكونية والنواميس الإلهية.
هناك من أنكر النبوة مثل ابن عباد الراوندي،وصالح بن عبد القدوس،وأبو بكر الرازي الطبيب،وظنوا أنهم بعقولهم العاجزة يستطيعون إدراك كل شيئ،وأنهم بعقولهم يستطيعون الوصول إلي كنه الحقيقة،وأنه من خلالها يستطيعون تنظيم أمور حياتهم،ونحن لا ننكر دور العقل لكن هل الجميع متساوون في التعقل،قد يكونوا متساوون في العقل لأنه هبة من عند الله لكن هل متساوون في إعمال العقل،أعتقد لا لأن هناك من يقوده عقله إلي التيه والضلال وقد يقحم نفسه في مشاريع لا طاقة له بها،والشاهد،عرب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام ألم يكن لهم عقلا،ألم يعبدوا صنما أصم،اين العقل،ألم يأدوا البنات ويدسوها فى التراب،أين عقولهم.
إذا وجود النبي ضرورة ملحة.
ورب سؤال يدور في خلد كثيرون الآن مع كل مظاهر الموبقات،هل نحن في حاجة إلى نبي.نقول لا لأن النبي صل الله عليه وسلم،أخبر أنه ليس ثم نبي بعده، وإنما هي سنة النبي صل الله عليه وسلم نعض عليها بالنواجز ونأتمر بما أمرنا به وننتهي عما نهانا عنه،
صحيح فتن كقطع الليل البهيم،وفساد استشري وانتشر،لكن جوابي عقلا، وأين عقولكم لما لم تفكروا تفكيرا موضوعيا وتحاولوا بعقولكم أن تجدوا مخرجا من هذا النفق المظلم،لماذا لاتحتكموا إلى عقولكم وتفرقوا من خلالها بين ماهو صواب وما هو خطأ،ماهو حق وماهو باطل،ما هو مهلك،وما هو منجي،ما هو حسن وما هو قبيح،ما هو شر وماهو خير ،أليس كل هذه الأمور وضحها الأنبياءعليهم صلوات الله وتسليماته.
هل النبوة اصطفاء أم اكتساب؟!وما حقيقة علومهم؟!وما الفرق بين علوم الأنبياء وعلوم العلماء؟!وهل كل نبي عالم والعكس هل كل عالم نبي؟!وهل كل من يري رؤية في نومه موحا إليه؟!وما موقف فلاسفة الإسلام من النبوة؟!وما موقف بعض المستشرقين من النبي محمد صل الله عليه وسلم؟!وما الأصول الفلسفيةوالدينية لنظرية النبوة؟!
سأجيب علي بعض هذه التساؤلات.
هل النبوة اصطفاء أم اكتساب،النبوة اصطفاء بشهادة القرآن الكريم،(الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ، إن الله سميع بصير)فالنبوة اصطفاء،ورب سائل يسأل،لماذا اختار الله هذا النبي اليتيم الفقير الذي يتقوت تارة من الرعي وتارة من التجارة وترك علية القوم،نقول (الله اعلم حيث يجعل رسالته)،هذا نقلا، أما عقلا فهناك أمور يحار العقل معها ويقف مكتوف الأيدي فاقدا لحجيته (أأنتم اعلم أم الله)
أما عن حقيقة علومهم،فهي علوم وهبية،أي هبة من عند الله تعالي(وعلمناه من لدينا علما)،(إن هو إلا وحي يوحي علمه شديد القوي)فالنبي علمه من عند الله تعالي.
أما علوم العلماء ومنهم الفلاسفة فكل فيلسوف عالم وليس كل عالم فيلسوف فالفيلسوف لا يتخصص ولا يحتقر شيئا مهما بلغ من ضآلة الشأن مبلغ الطين والشعر.
أما العالم فهو المتخصص في فرع من العلوم المختلفة كالفلك والكيمياء والطب والأحياء،فعلومهم مكتسبة تأتيهم بالعلم والدرس والفهم،ومن الممكن أن تكون لديهم الموهبة والحدس والبصيرة التي يتلقون من خلالها الإلهامات والفيوضات الربانية،لكن العالم لا يصل بحال من الأحوال إلي مرتبة النبوة.،ومن هذا المنطلق فكل نبي عالم سواء بالعلوم الشرعية أو العلوم الدنيوية،والعكس ليس كل عالم نبي.
نأتي إلى سؤال مهم.
ما مكانة النبوة في العلوم الفلسفية،هل نتحدث عن النبوة ضمن مبحث الألوهية أم نذكرها ضمن مبحث الإنسان لأن الأنبياء كما ذكرت سالفا بشر.
أم أن أذكرها ضمن مبحث العالم، أرى أن نضع هذا القسم المهم من الدراسات الفلسفية ضمن مبحث العالم لأن النبي هو حلقة الوصل بين عالم ما فوق فلك القمر بقوته الروحانية وتلقيه الوحي من الله تعالي عن طريق جبريل عليه السلام،الذي يأتي للنبي بالأوامر والنواهي والتعليمات، والنبي بدوره يبلغ ما أنزل إليه من ربه(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإلا لم تفعل فما بلغت رسالته،والله يعصمك من الناس)
إذن الرسول هو حلقة الوصل بين عالم مافوق وعالم ماتحت،لذلك أرى إدراج موضوع النبوة ضمن مبحث العالم.
ما الأصول الفلسفية لنظرية النبوة.
تعددت المصادر،فهناك من ذهب إلي نظرية الفيض الأفلاطونية المحدثة وأن النبي يتلقي الفيوضات من العقل العاشر الذي تحدث عنه أفلوطين السكندري،وذكره ابن سينا بالروح القدس،يقصد جبريل عليه السلام.
كذلك ثم مصدر أخر هو نظرية الرؤية والأحلام الأرسطية والتي تحدث عنها أرسطو في رسالتيه،رسالة الأحلام،التنبؤ في النوم، وأن الإنسان من الممكن أن يرى أشياء في منامه قد تتحقق له في يقظته كالمحب الذي يري أنه تحقق حلمه ووجد محبوبته ويستيقظ ويحدث هذا فعلا في واقعه،لكن هل هذا يعني أن الرؤيا أو الحلم وحي يوحي هذا مارفضه حتي أرسطو.
كذلك ثم مصدر ثالث،ألا وهو نظرية الأحلام الرواقية ،فنجد فيلسوف الرواقية كونتوس،يقول أن الطبيعة البشرية من الممكن أن تتنبأ بالغيب فى النوم متى تطهرت وصفت وصار ت نقية جلية شفافة،ولكن أيضا نري أن ذلك لايمكن بحال من الأحوال أن يعد وحي من الله،لكن من الممكن أن نسميه إلهام فثم بون شاسع بين الإلهام والوحي فليس كل ملهم وهبه الله هذه الهبة موحى إليه،لماذا لأن الله تعالي ضبط المسألة (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)يوحي اليه بواسطة جبريل،(نزل به الروح الأمين) وإلا لفتحنا الباب أمام النفوس المريضة مما يحاولون العبث بثوابتنا وثوابت ديننا الحنيف الأغر ممن يريدون أن يوظفوا قرآننا وسنتنا مع ما يتناسب مع مآربهم،نقول لهم قفوا عند منتهاكم لكم حدود لا تتجاوزوها فديننا ليس فيه ما نخجل منه بل هو واضح وضوح الشمس في كبد السماء فدعكم من أضغاث الأحلام هذه ،أنصحكم أن تثقلوا غطائاتكم ولا تلعبوا بالنار،فنيراننا مؤصدة تطلع علي الأفئدة في عمد ممددة،دعكم من القوامة والمواريث وخلافة،وجددوا في مكان آخر،اما تجديدنا الذي نعلمه وننتهجه وهو غايتنا هو توظيف النص لخدمة واقعنا لا نلوي عنقه،ولا نبدله أو نحذفه.
أما قول علماء الدين المسلمين المخلصين في الرؤيا فيروي ابن هشام في سيرته عن عروة عن الزبير عن عائشة أن أول ما بدأ به النبي الرؤيا الصادقة،فكان لايري رؤية إلا جاءت كفلق الصبح،حتي وإن كان ذلك كذلك وكانت رؤيا الرسول بدء الوحي فإن ذلك لايعني أن كل من يرى رؤية وتتحقق يوحي إليه كماذكرت آنفا.
ودليلي معي حديث النبي الذي رواه الترمذي(رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)،كما أن الصحابة سئلوا النبي صل الله عليه وسلم عن قوله تعالي,(لهم البشري في الحياة الدنيا)قال المعصوم هى الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تري له.وقال(أما الرسالة والنبوة فقد انقطت بعدي،فلا رسول ولانبي وإنما هي مبشرات،قالوا يارسول الله وما المبشرات قال رؤيا المسلم هى جزء من أجزاء النبوة)،وروي ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم(الرؤيا ثلاث:بشري من الله.حديث من النفس.تخويف من الشيطان)
أما منهج الفلاسفة في دراسة موضوع النبوة فيقوم علي استخداماتهم للمنهج العقلي الذي يقوم علي التحليل والتركيب عن طريق دراسة آراء الافلاطونية المحدثة وآراء أرسطو والفكر الرواقي في العصر الهيلينستي ،وكذلك دراسة آراء الشرع في هذا الموضوع.
يري ابن سينا ومن قبله الفارابي أن للنبي قوة قدسيةأي مؤيدبالملكوت عن طريق الوحي وهو ما لا يتوافر لغيره من البشر.كذلك للنبي قوة تخيل وقوة مخيلةتمكنه من الاتصال بالعقل الفعال جبريل حال اليقظة وحال النوم.
أيضا أن يكون له من الملكات ما يستطيع من خلالها التأثير في الناس وجمعهم حوله وهذا هو التأييد من الله تعالي.وهو ما يمكن ان جاز لنا تسميته بالحظوةوالقبول.
إلا أن أهل السنة والجماعة لهم مآخذ علي رؤية الفلاسفة منها أننا حينما نقول إن النبي يوحى إليه وحيا فهذا يعني أن الأنبياء لا يجهدون أنفسهم في إعمال عقولهم وهذا يجعلنا نضع الفلاسفة الذين يحتكمون إلى العقل في منزلة أعلى من الأنبياء وهذا مرفوض جملة وتفصيلا
كذلك عندما يتحدث الفلاسفة عن اتصال النبي بالعقل الفعال حال اليقظة وحال النوم فهذا إنكار لكل صور الوحي،فقد ورد في السنة المباركة أن جبريل كان يأتي إلى النبي بهيئته الملائكية وبهيئته البشرية،وأخبر عن ذلك النبي صل الله عليه وسلم في أكثر من حديث.
كذلك نظرية النبوة الفلسفية تنكر أي صورة من صور المعجزات،وهذا مخالف تماما لما أخبر عنه النبي صل الله عليه وسلم فالذين يرفضون المعجزات من الفلاسفة ومن غيرهم عليهم إقامة الحجة والدليل علي عدم وقوعها،فهم كذبوا بما لم يحيطوا به علما،وعدم العلم ليس علما بعدم المدلول عليه.ولماذا نذهب بعيدا انظروا الي كتاب الله القرآن الكريم أليس هذا اعجازا_يا فاقدي الإنجاز.
تلك هي رؤيتنا لموضوع النبوة
أما ما أثاره بعض المستشرقين من طعن وقذف وسب وافتراءات على النبي من أنه كان مزواجا شهوانيا،فأرد بمنتهى الأدب على هؤلاء ومن شايعهم من بعض الذين ينتسبون للإسلام،رسول الله لم يتزوج لشهوة ولا لغرض ولا لجنس وإنما كان كافلا الأرامل والأيتام صل الله عليه وسلم، فقفوا عند حدودكم ولاتتخطوها.

*أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *