الرؤى التكنولوجية فى عروض مسرح الطفل 

Read Time:5 Minute, 4 Second

د. ندى طارق تكتب:

يزداد الإهتمام بدور مسرح الطفل منذ بداية القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إذ عمل كثير من مبدعى مسرح الطفل على دفع الحياة الإنسانية للطفل إلى آفاق أفضل، فمسرح الطفل على مر العصور له مكانته كأداة ووسيله من وسائل التربية، وكان ينظر له نظرة دقيقة في تربية النشئ، إذ يلعب دورًا هامًا في الحياة وخاصة فى تربية الأطفال، حيث يهدف لتحقيق العديد من الأهداف التربوية، التى تسعى إلى النمو العقلى والخلقى أو الروحى، من خلال قدرته على تنمية قدرات العقل، وكذلك أيضًا التفكير الناقد لدى الطفل.

ويعتبر مسرح الطفل المسئول عن بناء الشخصية المتكاملة الواعية المدركة لمتطلبات العصر الحديث، فهو ينمى الجانب الإبتكارى ويكشف عن المواهب البارزة، كما أنه يسهم فى تشكيل الوجدان وصقل القدرات الجمالية، وتعميق قيم الحق والخير والجمال، وهو منذ إنشائه فى مصر على يد (زكى طليمات) فى المدارس، وجد الإهتمام من الكثير من وزراء التعليم وأولهم (طه حسين) وغيره حتى أيامنا هذه، ويومًا بعد يوم يتأكد أهمية دور مسرح الطفل .

كما يهدف مسرح الطفل إلى الإهتمام بنقل الخبرة المباشرة للطفل، ويقدم له العديد من فترات التدريب وإكتساب الخبرات، التى تسعى إلى تحقيق النمو المتكامل للطفل، كما يراعى مسرح الأطفال النشاط العقلى الحر، والفروق الفردية بين الأطفال فى ملكاتهم الغريزية، وقدراتهم العقلية وسماتهم الشخصية، فى جو فنى يقوم على التعاون والشورى، مع مراعاة الفروق الفردية والميول والإهتمامات بين الأطفال .

أن مسرح الطفل له أثر كبير أيضًا فى تنمية الوعى الوطنى لدى الأطفال فى مصر، لدوره البارز فى إحياء التراث، والإعتزاز بالوطن وتاريخه، وفهم صحيح الأديان، وتشكيل الوعى بالقضايا المتعددة، وخلق مواطن مصرى قادر على مواجهة العالم المتغير من حوله فى كافة جوانب الحياة، والمؤمن بتراثه، وبقيمه الأصيلة، ورسالته الحضارية .

ورافقت التكنولوجيا المسرح وعاصرته منذ عهد الإغريق وما تزال، وإلا كيف يمكن تفسير ذلك التصميم الدقيق والمدروس لمواقع المسرح اليوناني والروماني بعـده، من حيث ضبط إتجاهات هندسة الصوت وتقسيم المدرجات المحيطة بالمنصة التي يؤدى فيها العرض، لولا أن توصل الإنسان في ذلك الزمان إلى فهم ميكانيكية الصوت وإتجاهات الريح وغيرها من عوامل أخرى مهمة .

كما أن الإبتكارات التي قد تبدو بسيطة في يومنا هذا مثل إنتعال الممثلين للأحذية الكبيرة، إرتدائهم الأزياء الفضفاضة والأقنعة المصممة بفتحات للفم مشكلة بوقًا على أفواههم ما هي إلا وسائل ابتكروها، إمعانًا في إحكام دورهم بإيصال الصوت عبر مسارات محددة إلى كل أركان المسرح، بما في ذلك استخدام وسائل الإضاءة الطبيعية والإصطناعية، من مشاعل مضيئة وغيرها مما يدخل في هذا الإطار أيضًا، وصولاً إلى دخول العالم إلى عصر الكهرباء، وإنتقال المسرح من الفضاءات المفتوحة إلى الفضاءات المغلقة (العلبة الإيطالية)، ثم المستجدات التي لحقت بميكانيكية تصميم دور العرض إلى ما نحن عليه اليوم من خشبات المسرح المتعددة الوظائف (الدوار والمصاعد)، وكذلك ما استجد في علوم الصوتيات من ابتكار (كالميكروفونات والمسجلات والسماعات(، والتطورات الهائلة في تقنيات الإضاءة المسرحية والمؤثرات الضوئية الساكنة والمتحركة على السواء، وصولًا إلى مبتكرات المناظر الثابتة إلى المتحركة حتى يومنا هذا الذي نعيش فيه، عصر وسائل الإتصال الحديثة التي جعلت من العالم قرية واحدة .

وإنطلاقاً من أن المسرح بوجه عام ومسرح الطفل بوجه خاص كائن حي يتفاعل مع المتغيرات التي من حوله، فلم يكن يومًا ولن يكون مسرح الطفل بمعزل عن هذه المبتكرات والتقنيات التكنولوجية الحديثة، لذا فقد عمل المشتغلون في عالم مسرح الطفل على تطويع كل هذه المعطيات والمستجدات والمبتكرات الحديثة لتوظيفها من أجل الوصول بأعمالهم إلى أعلى المستويات التي يطمحون إليها.

وتعتبر التقنيات التكنولوجية الحديثة أحد أهم الوسائل فى تصميم مناظر عروض مسرح الطفل، إذ إنها تأتي برؤى جديدة وآليات جديدة ، فالتقنيات التكنولوجية الحديثة تنمّي فكرة الخوارق باستدعائها للخيال الذي يحلّق في غير المألوف وغير المتوَقّع، كذلك لم تعد هذه التقنيات ضرورية لتقديم المنظر المسرحى فى عروض مسرح الطفل فحسب، بل تقوم بتوفير إمكانات جديدة لإتاحة الرؤية الخيالية، إذ أن المنظر المسرحى فى عروض مسرح الطفل على وجه الخصوص هو صناعة عوالم أخرى تختلف عن الواقع المحيط أو تشابهه، أنها عوالم خاصة مصنوعة بحرفية عالية، وبذوق المصمم وحسه الجمالي الأصيل وبخيالاته التي تصل إلى أفق متقدمة في التجربة الإنسانية، إذ تقودنا التقنيات التكنولوجية الحديثة إلى تصميم المنظر المسرحى فى عروض مسرح الطفل لإستكشاف كيفية تحوّل الخيال أو ما يفوق الخيال إلى واقع، وهو ما يدفعنا الى استكشاف العلاقة بين الواقع وبين الصور المختلفة التي نعرف من خلالها هذا الواقع .

والمنظر المسرحي هو عبارة عن هو الوحدة الفنية للعرض, الذي يعطي للعمل المسرحي قيمته الجمالية والدرامية, والذي يهدف إلي إظهار المعاني العميقة للمسرحية بخطوطه وألوانه، ويتم تصنيعه من إطارات من الخشب أو القماش او نحوها وتقام فوق المسرح, لتعطي شكلًا للمنظر المطلوب علي أن ترتبط إيحاءات هذا المنظر بمدلولات المسرحية المعروضة، كما أن المناظر هي وسيلة للتعريف بحدود الزمان والمكان, بل هي لغة تتحدث بها عناصر الديكور المختلفة من وقت إلي آخر, شأنها شأن النصوص الحية، والفارق بين المناظر المتحركة والمناظر الثابتة يتمثل في مدي قدرة الديكور علي الحوار من وقت لآخر، كما يتوقف تنفيذ المنظر من غير شك علي المذهب الفني والأسلوب الذى يتبعه المصمم وفقاً إستجابة لحاجة النص ورؤية المخرج، كما أن هناك العديد من المناظر فهناك المنظر البسيط، ومنظر بالكواليس، ومنظر نصف مغلق، ومنظر طبيعى، ومنظر مبنى، ومنظر منظورى .

وتعتبر المناظر فى عروض مسرح الطفل أحد أهم العناصر الغنية بوسائل التأثير وجذب الإنتباه، خاصة أن المسرح أحد أهم وسائل الإتصال الجماهيرية وأكثرها حميمية، نظراً للتفاعل المباشر بين المرسل والمتلقى للرسالة، كما إن العلاقة بين المناظر المسرحية فى عروض مسرح الطفل والتكنولوجيا ممثلة فى التقنيات الحدثية قد سمحت بظهور أشكال إبداعية جديدة غيرت من شكلها التقليدى، إذ أن العروض المسرحية الموجه للطفل بالشكل التقليدى وفى ظل الثورة المعلوماتية والتكنولوجية لن يكون لها نصيب مع طفل اليوم، أمام الزحف المعلوماتى والتجليات الجديدة عبر الشاشات، التى استطاعت أن تأخذ الطفل من بين أيدينا لعوالم أخرى، حيث يقابل الطفل من خلال الثورة التكنولوجية عالماً متاهياً لا بدء له ولا نهاية، تستقطبه وتستجيب لحاجاته المختلفة، وتسحره بالمعطيات الفياضة التى تقدمها له فى وقت وجيز وبتقنية عالية .

وعليه أصبحت الحاجة ماسة لإستغلال الثورة التكنولوجية الحديثة بتقنياتها، والطاقة الهائلة الكامنة بها والتى فرضتها النهضة العلمية، فى تقديم مناظر مسرحية جديدة للطفل تعتمد على تلك التقنيات، أى أن توظف التقنية التكنولوجية الحديثة فى خدمة تصميم مناظر عروض مسرح الطفل بشكل مغاير، إذ ساعد انتشار تقنيات التكنولوجيا الحديثة فى تصميم المنظر المسرحى فى عروض مسرح الطفل، فى علاج كثيراً من مشكلات تصميم المنظر على خشبات المسارح، كما حقق كثيراً من الإبهار والمتعة الحسية والبصرية لطفل اليوم موازية لما يراه على شاشات الوسائط التكنولوجية الأخرى .

Happy
Happy
100 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *