ما أصعب أن تكون ضدك!

Read Time:4 Minute, 4 Second

ما أصعب أن تكون ضدك!

لا أعرف هل هو “مرض” أو “ثمن” لاكتساب الحكمة

.

هذه العبارة تكفي للمنشغلين والمكتفين بالبوستات القصيرة

.

.

.

ولأن الإنسان (مهما كان متكتما وغامضا ومنعزلا) يحتاج إلى لحظة يحكي فيها ويفسر بعض الغموض، فسوف أحكي بتوسع… لمن يرغب في قراءة الحكاية:

.

قبل يومين تقريبا نشرت مقالا، ثم حذفته بعد دقائق، وصلتني رسائل للسؤال والاطمئنان، خوفا من أن اكون قد تعرض لتهديد ما اضطرني للحذف، وقد شرحت ذلك في مقال قد ينشر اليوم او غدا، لكن هناك جانب خاص لم أنشره في المقال، واشعر برغبة في حكايته للأصدقاء الذين يهمهم امري وأمري وأمر الوطن:

 

الحكاية الطويلة شوية:

أنا مصاب بنوع غريب من الأمراض إضافة إلى مشاكل القلب والأورام الغامضة التي لم نتوصل لتشخيصها..

الأمراض التقليدية مفهومة للأطباء، أما المرض المزعج فهو حالة من الألم الشامل في كل انحاء الجسم، مع فقدان للتركيز يقترب من تشوش الذاكرة وضبابية المخ..

السبب المفهوم هو عدم تغذية المخ وبقية الجسم بما يكفي من الأكسجين نتيجة تعب القلب (نقص التروية)

والسبب الغامض هو مرض من ثلاث كلمات “فيبرو – م – ألجوس” أو “فيبرو-مي-ألجيا”.. ألجوس أو ألجيا هي الألم، والميم تشير إلى العضلات (ماسل) وفيبرو تعني الأنسجة، واتفقت الترجمات على اعتبارها “تليف”

منذ سنوات كانت تداهمني نوبات في مثل هذه الأيام من كل عام، وفي الخريف (فترات تغير الفصول)، يعني بالمعنى السياسي لا اكون في افضل حالاتي خلال “المراحل الانتقالية”، وكان أطباء العظام يعالجونني بمسكنات وأدوية للروماتيزم او الروماتويد، وأثناء إحدى نوبات الخريف، واذكر اليوم جيدا لأنه كان يوم تفجيرات 11 سبتمبر، كنت في المكتب ولاحظ الأستاذ الغالي نبيل سويدان (وكان مديرا للمكتب) اعراض الألم، وأخبرني ان السيدة زوجته تعاني من نفس المشكلة وتتابع عند أحد الأطباء الكبار، تحولت العلاقة معه إلى صداقة، واستاذني في دعوة الطبيب لمعاينة الحالة ومتابعة العلاج، ولما قابلت الدكتور وانتهينا من تشخيصات الروماتولوجي وغيره، كنا قد اقتربنا كاصدقاء مثقفين، فسألني الطبيب: انت من النوع اللي بيقدر يتحمل الألم؟

– لا تقلق أنا موهوب في تحمل الألم.. خير؟

احنا هنوقف أي علاج، وحاول تتعايش مع المرض وتتحمله وتسايره، المرض ده ما لوش نظرية طبية حتى الان، واحنا بنعالج الأعراض بمسكنات واجتهادات من عندنا، والمصيبة ان أطباء كثير بيعالجوه كمرض للعظام وبيعملوا كوارث في الأدوية بتدمر صحة المريض، لكن اقرب تفسير عندي هو انه من أمراض المناعة

– يعني إيه؟

* يعني الجسم بييجي في لحظة ويعتبر أجزاء معينة أجسام غريبة ويبدأ يهاجمها

الترجمة السياسية يعني.. الجسم بيعامل المفاصل والعظام زي ما بتتعامل السلطة معانا كمواطنين بالفوبيا والتخويف والقمع وتعتبرنا غرباء عنها، والحالة تمتد لجسم المجتمع فيحارب نفسه

والحل؟

لما بنضطر للتدخل بنعطي المريض ادوية تقلل المناعة شوية، عشان تطنش وما تهاجمش المفاصل والعضلات

لم أكن راضيا عن الحل، لأن مناعتي ضعيفة منذ مولدي والصحة مش ناقصة

بعد سنوات من التعايش مع المرض ومصاحبة الألم، بقيت أكثر قوة وأقل شكوى، بس ما قدرتش أنسى ان جسمي بيحارب نفسه، وفي نفس الوقت ما قدرش اضحي بالمناعة عشان أخفف الألم..

المسالة محتاجة توازن صعب وعيشة متعبة للحفاظ على جسد مناعته بتحاربه

طبعا في السياسة المناعة حاجة كده زي جيش البدن أو قوة الحماية، وصعب التفريط فيها نهائيا، ممكن الحد من اضرارها او إصلاح انحرافها عن وظيفتها الأساسية اللي هي الحماية مش الهجوم على الجسم

بدأت الفلسفة والحكمة تزيد ووصلت لطريقة فردية في صناعة التوافق الوطني العام، او عدم الإضرار به على الأقل، عشان كده خلعت كل افكاري الفردية، وبدأت أفكر كمجموع.. يعني أنا مش ناصري ولا شيوعي ولا اخوان ولا ليبرالي ولا ملحد ولا أي حاجة.. انا كل الناس.. بحب الجميع وعاوز الجميع، ولما بحس ان كلمة من عندي هتعمل ألم أو شقاق بخففها، وأقلل الاحتكاك… مستعد أتنازل عن كل العنجهية الفردية في القناعات الخاصة، ومستعد اخفي انحيازاتي العاطفية والنموذج اللي بيعجبني، عشان نوسع الطريق لنموذج جمعي يمثل الكل..

عندي يقين ان مشكلتنا مش في تسلط الأنظمة علينا كشعوب وبس.. مشكلتنا ان كل واحد فينا متسلط في قناعاته وانحيازاته.. في البيت وكرة القدم والألوان وقناة التليفزيون اللي عاوز يتفرج عليها، ودربت نفسي اني اوقف أي حرب غرضها الانتصار لرأيي على آراء غيري.. عاوز الناس تسمعني بحب وعاوز اسمعهم بحب ونوسع لبعض في الحياة..

صدقوني الحب والاحترام هو أساس العلاقات السليمة، وتحمل الألم عشان نحافظ على الجسم كله هو عين الحكمة، مش هنقدر نضحي بجزء من الشعب عشان نريح غيره، لأن الاقصاء والنبذ والتهجم.. انهيار مخيف وخارج السيطرة.. إذا بدأ لا يمكن إيقافه

عشان كده انا في اقل حالات نشاطي، لن صحتي الخاصة وصجة المجتمع العامة بتفرض علينا نوع من التهذيب السلمي والتضافر وعدم التحارب.. مش عاوز اكون طرف في لغة تراشق، ولا إشعال حرب

الفضل تجميع المتفقين وتوسيع فعاليتهم، وهداية المنحرفين والصبر عليهم..

لا نغفل عن المشكلة وأسبابها ولا نستسلم للفاسدين والمفسدين، وفي نفس الوقت، لا نشعل النار في ملا بسنا وملابس أخوتنا.. فنحن عائلة كبيرة مهما توسع الخلاف، ولا حياة طيبة لنا إلا بالاعتصام والتجانس وبناء توافق مجتمعي واسع ننظر فيه للمشاريع السياسية الساعية للحكم، باعتبارها إدارات تقدم نفسها لخدمتنا، وليست أسيادا يتحكمون في حياتنا

يا رب أكون قدرت أعبر..

وإذا كانت تعبيراتي شائكة او مشككة تثير الشقاق والحرب، فالحل هو حذفها والحرص على محبتكم وأخلاقكم الطيبة ولغتكم المشحونة بالحب والدعم

حفظكم الله من كل مرض، وكل شقاق، وكل سوء، وكل طاغية.

بقلم/ جمال الجمل

كاتب صحفي

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *