مواصلات الغلابة !!
لم يهنأ فقراء مصر بوسائل مواصلات مريحة على مدار تاريخهم، فقديما كانت قلة منهم تستطيع تأجير حمار يمضي بهم إلى حيث يقصدون من أماكن في شوارع المدن، وكان من يقدر على ركوب حمار ينظر إلى راكبي الدوكار، وهو هودج مريح تجره الخيول، على أنهم يرفلون في النعمة. انتقلت هذه المقارنة في زماننا بين راكبي باصات النقل العام والمترو والتروماي والميكروباصات وقطارات الدرجة الثالثة والتكاتك والدراجات، وبين راكبي السيارات الملاكي.
مع ارتفاع أسعار الوقود صار أصحاب السيارات الملاكي من أبناء الطبقة الوسطى بمختلف شرائحها غير قادرين على استعمالها طوال الوقت، أو ركوب تاكسيات الأجرة ومعها “أوبر” و”كريم” التي زادت أسعارها، وبات عليهم أن يحشروا أجسادهم مع الفقراء في وسائل تنقلهم غير المريحة. زاد الأمر سوءا مع وقف استيراد قطع غيار السيارات، ضمن ما أوقفت السلطة استيراده لتوفير الدولار بغية تسديد الديون المتراكمة، وكذلك مع رفع قيمة مخالفات المرور، لاسيما مع تمكن الحكومة من توسيع وسائل الرقابة، بتركيب كاميرات في كل الشوارع والميادين، ترصد كل صغيرة وكبيرة، ولا تغادر من المخالفات شيئا.
يقابل هذا بعجز وسائل النقل العام عن استيعاب كل الراغبين في التنقل، لاسيما في الصباح الباكر، حيث الهابطين من بيوتهم إلى أماكن عملهم، أو في وقدة الظهيرة حيث يعودون. ففي مثل هذا التوقيت تمر بك مكتظة عن آخرها الباصات والقطارات الرخيصة الآتية من الصعيد والدلتا بمن يعملون في القاهرة، أو يقصدونها لإنهاء معاملات وخدمات في المصالح الحكومية المركزية.
ولأن أغلبية السكان يرتادون وسائل النقل العام، فقد حفر وجودها عميقا في سمات المجتمع المصري، حيث ولدت ظواهر ليست خافية على أحد، ومنها:
1 ـ البطء، فالباصات عليها أن تقف في المحطات المتتابعة في الشوارع، والميكروبوصات يصطاد سائقوها زبائنهم من قلب الشوارع، وقطارات الدرجة الثالثة عليها أن تفسخ الطريق بين حين وآخر للقطارات الفارهة كي تمر سريعا، وأدى هذا إلى ضياع كثير من أوقات المصريين في التنقل، ما يخصم بالطبع من ساعات العمل أو الراحة، التي يجب على كل إنسان أن ينال قسطا منها، حتى يمكنه مواصلة حياته.
2 ـ التحرش، وهي ظاهرة ممقوتة، يجد مرتكبوها مبتغاهم في وسائل النقل المكتظة، التي تخلق للعابثين فرصا سانحة لمضايقة الفتيات والنساء، اللائي لا يجدن أحيانا مهربا منها، في ظل التصاق الأجساد، واختلاط العرق والأنفاس. ومن قبل كان الرجال، وخصوصا الشباب، يتسمون بالمروءة فإن وجد الجالس منهم امرأة أو فتاة واقفة، يخلي لها مكانه على الفور، أما اليوم فإن هذا السلوك يتراجع، إما استجابة للأثرة التي يتسم بها مجتمع التكالب والندرة، أو اقتناع بعض الناس بأن المرأة مكانها البيت، أو ضرورة أن تلتزم بالاحتشام وفق تصور ديني أو تقاليد اجتماعية، وهناك من يتوهمون أن المرأة الواقفة في زحام المواصلات العامة تسعى بالضرورة إلى من يتحرش بها. وسمعت ذات يوم امرأة تشكو من متحرش في باص مكتظ عن آخره، فقال لها المتحرش بكل بجاحة: إذا لم يعجبك هذا انزلي واركبي تاكسي.
يحدث ذلك في مجتمع يستعيد بعض عقلائه والمتمسكين بالأخلاق فيه ما نشرته إحدى الصحف المصرية في أربعينيات القرن العشرين، حين قالت: “هذا الذئب البشري، الذي اقترب من امرأة لا يعرفها، عند محطة الباصات، وقال لها بكل وقاحة: بونسوار يا هانم”. كان المجتمع يعتبر مجرد إلقاء السلام على امرأة غريبة، جرحا لخصوصيتها، فصار الآن ينتهك هذه الخصوصية ماديا ومعنويا، ويستمتع بعضه بهذا، ويرونه سلوكا طبيعيا، أو يجب التواطؤ معه.
3 ـ الإنهاك الجسدي، فالمحشور في مواصلة عامة واقفا، أو حتى جالسا بطريقة غير مريحة، سيصاب بإنهاك بدني شديد، لاسيما إن طالت المسافة بين مكان صعوده ومكان نزوله. لهذا يعود كثير من الموظفين إلى بيوتهم في آخر النهار متعبين. وبمرور الوقت يعاني هؤلاء من إجهاد العضلات، وهشاشة العظام، فضلا عن الضيق النفسي الشديد، ولذا يحتاجون إلى نيل قسط من الراحة، يخصم من الأوقات التي يقضونها مع أهلهم، والبعض منهم يذهب إلى مقر عمله مجهدا، بما يؤثر سلبا على إنتاجيته.
4 ـ استغلال سائقي سيارات الميكروباص خصوصا، والذين يجدون في الفوضى وغياب القانون مبتغاهم، فبعض السائقين اعتادوا عدم الالتزام بالتعريفة المقررة، وبالمسافة المقدرة من قبل الحكومة، يحركهم في هذا طمعهم في جمع أكبر قدر من المال من جيوب الغلابة. وقد شكا كثيرون من أن السائقين يأخذون الأجرة كاملة وينقصون المسافة المقررة بها، فيقسمون الشوارع الطويلة إلى مسافات، يفرغون في كل منها ما معهم من ركاب، ليحتل غيرهم مكانهم، ويكون على النازلين أن يبحثوا عن وسيلة مواصلات إضافية، بما يحملهم ما هو فوق قدراتهم المالية.
ويحتمى السائقون غير الملتزمين باللوائح والقوانين بجرأة وغلظة من عند أنفسهم، وبعضهم يتكيء على ما يقدمه من رشاوى لرجال المرور، لكن الأفدح، وربما الأبرز، أن هناك من سيارات الميكروباص من يمتلكها أمناء شرطة مرور، أو يشاركون في امتلاكها، وبالتالي يجد سائقوها فرصا سانحة لاستباحة الركاب.
إلى جانب هذا لا يلتزم سائقو تاكسيات الأجرة بالتعريفة المقررة أيضا، متذرعين أحيانا بأنها ظالمة لهم، مع ارتفاع أسعار الوقود أو قلة الزبائن أو المبلغ الكبير نسبيا الذي على السائق أن يدفعه إلى صاحب السيارة. وهناك من يدعي أن عداد الأجرة معطل، وبالتالي على السائق أن يقدر الأجرة، التي يكون مبالغا فيها غالبا. ويتسبب هذا أحيانا في مشاحنات بين الراكب والسائق، بعضها ينتهي في أقسام الشرطة.
5 ـ النشالون، وهؤلاء يجدون في المواصلات العامة المزدحمة فرصتهم، فيوزعون أنفسهم عليها، سواء كانوا يعملون فرادى أو يتبعون مؤسسات تحصل على ما يسرقونه في نهاية اليوم، وتمنحهم جزءا منه. ولهؤلاء مهارة فائقة في التقاط ما في جيوب الغلابة، الذين يكونوا لاهين في الزحام، لا يفكر أي منهم سوى في أن يجد موضعا لقدميه.
6 ـ التلوث، فكثير من سيارات الأجرة قديم، تنبعث من محركاتها عوادم سامة، لا تجد من يردها في ظل فوضى المرور أو تواطؤ بعض القائمين عليه، لأسباب شتى. كما يطلق كثير من هؤلاء السائقين تلوثا سمعيا إما بشحط وشحر سياراتهم المتهالكة، أو إدمان الضغط على أبواق التنبيه “الكلاكسات”، ما يجعل شوارع المدن، لاسيما في ساعات الذورة، غارقة في الضجيج. وهناك من هؤلاء من لا يلتزم بآداب الطريق، فيسهم في تكريس الزحام، عبر الوقوف في منتصف الشوارع لاصطياد الركاب، في ظل عدم وجود أماكن للركوب والنزول، كما هو متبع في المدن المخططة جيدا.
وما زاد الأمر سوءا هو وجود التكاتك التي حولت الشوارع الخلفية إلى جحيم، فكثير من سائقيها من الأطفال والمراهقين، بعضهم لا يجيد مهارة قيادة أي مركبة، معتمدا في هذا على أن الأماكن التي يسير فيها تفتقد إلى انتظام الرقابة المرورية. ويختلط بهؤلاء سائقو الدراجات والماكينات الصغيرة “الموتوسكيلات”، الذين يقطعون الشوارع أثناء سيرهم طولا وعرضا بحثا عن أي مخرج من الزحام، فيزيدون منه، وكذلك من الجلبة والتلوث.
كل هذه المظاهر السلبية تنطبق على قطارات الدرجة الثالثة، أو ما يطلق عليه المصريون “القشاش”، الذي يتوقف في محطات القرى المتتابعة على شريط السكة الحديد، وينبطق أيضا على مترو الأنفاق في ساعات الذروة. فهؤلاء المحشورون في قلب عربات القطار الحديدية الصدئة أو المتهالكة، يعانون من حر الصيف، إذ لا توجد مكيفات. وفي الشتاء يضربهم الهواء البارد المتدفق من نوافذ مهشمة. بعض هؤلاء يجلسون على مقاعد خشبية غير مريحة، وأغلبهم يقضون المسافة واقفين على أقدامهم، ومنهم من يصعد إلى الأرفف المخصصة لوضع الحقائب والأمتعة ويتخذ منها مجلسا. وعلى هؤلاء أن يعانوا من كل شيء: الإنهاك الجسدي، والتحرش، وأذى النشالين، واستغلال المحصلين، والبطء الشديد.
بقلم / د. عمار علي حسن

Average Rating