السيميولوجيا ونظريات علم الدلالة

Read Time:6 Minute, 2 Second

بقلم : د . محمد جمال الدين 

تسعى السيميولوجيا لأن يكون لها مكان مشترك بين مجموعة من العلوم: الأنثروبولوجيا، علم الاجتماع، علم النفس الاجتماعي والاستقبالي، وبصورة أوسع العلوم الإدراكية والفلسفية وخاصة أصولها المعرفية، واللسانيات ومجالات التواصل. وتزعم أنها قابلة للتطبيق على موضوعات أخرى متنوعة كعلم الفضاء، وتشخيص الأعراض والحقوق والأحوال الجوية والموضة واللسان وغيرها. ولكن هل يستطيع السيميائي أن يحيط بكل هذه الموضوعات معاً؟ بالتأكيد لا. المهم في الأمر هنا هو الأداة المنهجية التي يواجه بها نصه أو الحالة التي يعالجها، إذ من غير الممكن أن يكون عالم نفس وطبيباً وقانونياً ولغوياً في وقت واحد. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ما هو القاسم المشترك بين هذه المجالات المتباينة؟ ألا يشوش هذا الامتداد صورة السيميولوجيا؟ الحقيقة أن الدلالة هي العامل المشترك بينها، وهي التي تخلق حالة من الحوارية والانتظام فيما بينها، وترسم آلية بناء الأدوات التقنية التي تخص كلاً من هذه العلوم .

إن منطلق السيميولوجيا مناظر لمنطلق الفلسفة التي تبحث دائما عن جوهر الأمور وتجلياتها، ولكن الفارق هو أن الفلسفة تبدأ في التساؤل في مفاهيم ما كالطبيعة وما وراء الطبيعة، كالسياسة والعدالة، كالجمال والشعر، وتنقد القيم السائدة وتحلل المفاهيم للوصول إلي جوهر هذه الجوانب المرتبطة بالإنسان وعالمه، أما السيميوطيقا فلا تبدأ بمفهوم معين كالصدق أو الرغبة أو العمل لتفسره وتشرحه وتحلله كما تفعل الفلسفة، وإنما تبدأ بالعلامة وهي في حد ذاتها شيء ما معبر عن شيء أخر فهي ذات طبيعة ازدواجية، وفي السيميوطيقا تبقي هذه الطبيعة الثنائية هامة وبينما يربط الفيلسوف بين المفاهيم يقوم السيميوطيقي بالربط بين العلامات ويمكننا أن نقول إن الفلسفة تنطلق من المضمون بينما تنطلق السيميوطيقا من الشكل، والسيميوطيقا هي بمفهومها العريض تعني العلامة وتعني بها علي مستويين: المستوي الأول: يعني بماهية العلامة أي وجودها وطبيعتها وعلاقتها بما حولها، المستوي الثاني: يعني بفاعلية العلامة وكيفية توظيفها.

ومن منطلق هذا التقسيم نجد أن السيميولوجيا اتجهت اتجاهين لا يتناقض أحدهما مع الأخر والاتجاه الأول يدرس ماهية العلامة ويهتم بدارسة مقوماتها وقد مهد لذلك الاتجاه الفيلسوف الأمريكي تشارلز سوندرز بييرس، أما الاتجاه الثاني فأهتم بدراسة توظيف العلامة في عمليات الاتصال ونقل المعلومات وقد استلهمضد الاتجاه من مقالات العالم االسويسري فرديناند دي سوسير .

 

إن النزوع نحو تأسيس نظري للمبحث الدلالي العام كان ولا يزال دأب الدراسات التي تناولت مسألة المعنى ورمت إلى بلورة أفكارها ضمن رؤى تنظيرية تتوخى الشمولية في الدراسة والعالمية في الأهداف وأن التراكم الفكري واللغوي منذ مدرسة براغ، التي ركزت اهتمامها على الصوت والدلالة، ومدرسة كوبنهاجن التي اهتمت بدراسة العلامات اللغوية، قد رسم للغويين المحدثين اتجاهاً يكاد يكون واضحاً نحو إرساء علمي لنظرية الدلالة، ولا يمكن في هذا الوضع إغفال الجهد المضني الذي قدمه العالم اللغوي دي سوسير، إذ كانت لأفكاره وآرائه ومنهجه في دراسة السيميولوجيا، أكبر الأثر في مسار علم الدلالة الحديث .

وتجدر الإشارة إلى أن النظريات العربية في أي حقل من حقول العلم والمعرفة، ومنها حقل الدراسة الدلالية، لها مرجعيتها التاريخية والفكرية، وتخضع لتصورات اجتماعية معينة لا يمكن إسقاطها من أي مقاربة علمية، وهو ما حدا ببعض علماء العرب المحدثين إلى الدعوة لضرورة تجديد التراث من داخله دون إغفال “المفاتيح” العلمية الحديثة، ولابد معها من احتياطات منهجية على النتائج التي نصل إليها. ومع ذلك لا يثنينا شيء عن إجراء إسقاطات مهنجية ونظرية واعية على المنظومة المعرفية التراثية، وكون النظريات الغربية استمدت معالم قواعدها وتطبيقاتها من لغات أجنبية غير اللغة العربية، لا يعد مانعاً من الاستفادة من أفكارها في تعاملنا مع التراث العربي، ذلك أن “اللغة العربية بصفتها “لغة” تنتمي إلى مجموعة اللغات الطبيعية وتشترك معها في عدد من الخصائص (الصوتية والتركيبية والدلالية) وتضبطها قيود ومبادئ تضبط غيرها من اللغات”، ولتحديد الإطار العام لعلم الدلالة سوف نتعرض لبعض النظريات التي قدمت معايير أولية له وهي كالآتي:

النظرية الإشارية :

تشكل هذه النظرية في مسار علم الدلالة الحديث أولى مراحل النظر العلمي في نظام اللغة، بل إلى أصحابها يرجع الفضل في تمييز أركان المعنى وعناصره، معتمدين في ذلك على النتائج التي توصل إليها فردينالد دي سوسير في أبحاثه اللسانية التي خص بها الإشارة اللغوية باعتبارها “الوحدة اللغوية المتكونة من دال ومدلول، الدال هو الإدراك النفسي للكلمة الصوتية، والمدلول هو الفكرة أو مجموعة الأفكار التي تقترن بالدال .

إن الذي منح لهذه النظرية الصبغة العلمية هما العالمان الإنجليزيان أوجدين وريتشارد اللذان اشتهرا بمثلثهما المعروف بالمثلث السيميائي الذي يميز عناصر الدلالة بدءاً بالفكرة أو المحتوى الذهني ثم الرمز أو الدال، وانتهاء إلى المشار إليه أو الشيء الخارجي.

 

إن هذا التقسيم المتميز للمعنى يعد خطوة جريئة في عصره، وأعطي للمبحث الدلالي نفساً جديداً سوف يتولد عنه نظريات جديدة وأفكار مهمة، إن الدراسات الدلالية التي اضطلع بها العلماء المتأخرون تدور كلها في فلك مثلث أوجدن وريتشارد، ذلك أنها تناولت في مباحثها أحد عناصر المثلث بتحليل عميق أو عنصرين اثنين، ومنها ما تناولت العناصر الثلاثة كلها استناداً على أن “معنى الكلمة هو إشارتها إلى شيء غير نفسها وهنا يوجد رأيان: رأي يرى أن معنى الكلمة هو ما تشير إليه، ورأي يرى أن معنى الكلمة هو العلاقة بين التعبير وما يشير إليه، فدراسة المعنى على الرأي الأول تقتضي الاكتفاء بدراسة جانبين من المثلث وهما جانبا الرمز والمشار إليه .

النظرية التصورية :

ترتكز النظرية التصورية على مبدأ التصور الذي يمثله المعنى الموجود في الذهن، وقد أطلق بعض الباحثين على هذه النظرية اسم النظرية الفكرية لأن “الكلمة تشير إلى فكرة في الذهن وأن هذه الفكرة هي معنى الكلمة، ونتيجة للطابع التجريدي الذي رسم النظرية التصورية، فإن العلماء أسسوا أفكارهم على معطيات حسية تقع ضمن الملاحظة والمشاهدة، وأرجعوا الدلالات كلها إلى تلك التصورات التي تحقق الأثر العلمي، وهذه الفكرة قريبة من فكرة النظرية.

وما دام أن النظرية التصورية تعتبر أن المعنى هو التصور الذي يحمله المتكلم ويحصل للسامع حتى يتم التواصل والإبلاغ، فإن عالم الأشياء غير متجانس، كما أن التصورات متباينة من فرد لآخر، فتصور “شجرة” مثلاً، يحمل جملة من الدلالات المختلفة اختلافاً قد يكثر أو يقل بحسب وجود هذا التصور داخل عالم الأشياء .

النظرية السياقية :

إن نظام اللغة نظام متشابك العلاقات بين وحداته، ومفتوح دوماً على التجديد والتغيير في بنياته المعجمية والتركيبية، حتى غدا تحديد دلالة الكلمة يحتاج إلى تحديد مجموع السياقات التي ترد فيها، وهذا ما نادت به النظرية السياقية التي نفت عن الصيغة اللغوية دلالتها المعجمية، إن منهج النظرية السياقية يعد من المناهج الأكثر موضوعية ومقاربة للدلالة، ذلك أنه يقدم نموذجاً فعلياً لتحديد دلالة الصيغ اللغوية، وقد تبنى كثير من علماء اللغة هذا المنهج، منهم العالم وتغنشتين، وقد توصل العلماء إلى تمييز بين أربعة أنواع من السياق: السياق اللغوي: فالسياق اللغوي يشرف على تغيير دلالة الكلمة تبعاً لتغيير يمس التركيب اللغوي، كالتقديم والتأخير في عناصر الجملة فقولنا: “زيد أتم قراءة الكتاب”، تختلف دلالتها اللغوية عن جملة: “قراءة الكتاب أتمها زيد”، السياق العاطفي الانفعالي: أما السياق العاطفي الانفعالي فهو يحدد دلالة الصيغة أو التركيب من معيار قوة أو ضعف الانفعال، فبالرغم من اشتراك وحدتين لغويتين في أصل المعنى إلا أن دلالاتها تختلف، مثل ذلك الفرق بين دلالة الكلمتين: “اغتال” و”قتل”، بالإضافة إلى القيم الاجتماعية التي تحددها الكلمتان، فهناك إشارة إلى درجة العاطفة والانفعال الذي تصاحب الفعل، فإذا كان الأول يدل على أن المغتال ذو مكانة اجتماعية عالية، وأن الاغتيال كان لدوافع سياسية، فإن الفعل الثاني يحمل دلالات مختلفة عن الأول وهي دلالات تشير إلى أن القتل قد يكون بوحشية وان آلة القتل قد تختلف عن آلة الاغتيال، فضلاً على أن المقتول لا يتمتع بمكانة اجتماعية عالية، وسياق الموقف أو المقام وهو يعني الموقف الخارجي الذي يمكن أن تقع فيه الكلمة فتتغير دلالالتها تبعا لتغير الموقف أو المقام، والسياق الثقافي أو الإجتماعي: وهي القيم الثقافة والاجتماعية التي تحيط بالكلمة، إذ تأخذ ضمنًا دلالة معينة. وقد أشار علماء اللغة إلى ضرورة وجود هذه المرجعية الثقافية عند أهل اللغة الواحدة لكي يتم التواصل والإبلاغ، وتخضع القيم الثقافية للطابع الخصوصي الذي يلون كل نظام لغوي بسمة ثقافية معينة وهو ما يكون أحد العوائق الموضوعية في تعلم اللغات .

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *