وداعا يوسف مسلم.. صديقي الذي لم ألتق به!
(الموتى لا يتألمون، لكن يمكنهم أن يؤلموا غيرهم) هكذا كتب، ورحل وانتهت رحلة آلامه، لكن رحيله الصادم والمفاجئ يؤلمنا بعمق.
لم أعرفه شخصيا ولم نلتق قط، لكننا صرنا أصدقاء على الفيسبوك منذ عدة أشهر فقط مع تبادل للإعجاب بالمنشورات والتقدير الشخصي. وأرسل لي إحدى قصائدة (مقعدان شاغران على الشاطئ)، وسألني عن رأيي فيها. وكان ردي أنها “رائعة فعلا رغم الشجن والكآبة العميقة التي بثتها في روحي، كأنها قادمة من عالم كافكا رغم شخصيتها الكاملة التي تنتمي لمبدعها”. وقبل أسبوعين أرسل لي ديوانه الأخير الذي لم ينشر بعد “أصوات معتمة وصمت مضئ” لاستطلاع رأيي فيه. وفي صدر الديوان وضع كلمة لجون آشبري: “القصيدة حزينة، لأنها تريد أن تكون قصيدتك، وهو ما لا يمكن أن يحدث”. وقصيدته بالفعل هي عالمه وفيض مشاعره المتلاطمة الذي قد يتماس معك أو يأسر روحك ومشاعرك، لكنه يبقى عالمه بكل خصوصيته وسماته ولن يكون عالمك أبدا. وينطبق على الديوان ما قلته عن القصيدة، ويزيد عليها حيرة الروح إزاء الأسئلة الفلسفية الكبرى، وحيرة الشاعر وهو يستولد القصيدة، وحيرة القصيدة وهي تسبح في ذهن وروح شاعرها كأنها روح حية تبحث عن التشكل والتجسد. ويركز رؤيته لذاته في ختام قصيدته النثرية الطويلة التي يبدأ بها ديوانه: “كنت دائما القصيدة التي لن أستطيع كتابتها”، وكم هو مؤلم أن تكون القصيدة التي لا تسطيع كتابتها أيا كانت الأسباب الكامنة في غور الروح وصندوقها الأسود الذي تلقي بمفاتيحه في نفق سحيق حتى لا يطلع أحد على أسراره.
ويبدأ القصيدة الأخيرة بالديوان والمعنونة “احتضار” بلحظة احتضار الأب والتي يختصر فيها الروح بـ”خثرة دم”:
بينما كان أبي يحتضر
لفظ خثرة دم داكنة،
تلقيتها على كفي
كي لا يتلوث جلبابه شاهق البياض
ويختمها برجاء مكتوم أن يكون هناك من يتلقى روحه وألا تسقط وحيدة على صدره لتضيع في ماء يسكبه المغسلون:
روح الإنسان أتفه من قصيدة كتبت على عجل
ترى هل ستكون خثرة دمي داكنة أم سوداء؟!
هل من كف تتلقاها؟!
أم ستسقط على صدري
ثم يضيعها المغسلون بمائهم؟!
الديوان عموما أحاطني بكم من الحزن العميق والمشاعر المقبضة والسوداوية رغم روعة الكتابة، وتأخرت في إرسال رأيي فيه، حتى فات الأوان وما أعمق الألم الذي يسببه فوات الأوان!
وداعا لصديق لم أره، ولكن شعره الرائع وروحه الطيبة المثقلة بالآلام جعلاه قريبا للروح، ورحل تاركا غمرا من الحزن والشجن، كما ترتحل صوب غاياتها الأرواح والأشياء!.
بقلم/ احمد السيد النجار
كاتب صحفي

Average Rating