وفاة انبل رئيس في العالم

Read Time:2 Minute, 20 Second

مات اليوم أنبل وأنزه حاكم دولة على وجه الأرض في زمننا المعاصر، إنه رئيس أوراجواي خوسيه ألبرتو موخيكا كوردانو، الذي لقب “بأفقر رئيس في العالم”.

لم يقف خوسيه، الذي توفى بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان، عند حد التبرع بتسعين في المائة من راتبه الشهري ( 12 ألف دولار) إلى الجمعيات الخيرية والشركات الناشئة، بل عاش حياة بسيطة متقشفة، لا تختلف عن تلك التي كان يحياها قبل أن يتسلم الحكم في مطلع يناير 2010.

فخيكا عاش في بيته الريفي الذي كان يصل إليه بعد أن يسلك طريقا ترابيا طويلا، ويرفض أن ينتقل إلى قصر الرئاسة، ولا يحتاج من الحرس إلا القليل، رغم أنه تعرض لإطلاق النار ست مرات، ولا يركب سوى سيارته الخاصة وهي من طراز “فولكس فاجن بيتل ـ موديل 1987، وكان يقودها بنفسه، ولا يحب ارتداء البدل الرسمية ويسميها “دهاء البشرية .. ولعبة أرباب التجارة”.

كان يتصرف بعفوية وبساطة، ويحب زوجته كمراهق غرير أو شاعر، ولا يسمح لها بأن تعيش دور “السيدة الأولى”، ولا يرغب في الظهور الإعلامي إلا قليلا، وإزاء زهده هذا، تراجع الفساد في بلاده، لتحتل المرتبة الثانية في قائمة الدول الاقل فسادا بقارة أمريكا اللاتينية، وهنا يقول دوما: “أهم أمر في القيادة المثالية هو أن تبادر بالقيام بالفعل حتى يسهل على الآخرين تطبيقه”.

وحين سألته شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأمريكية عن سر بساطته أجاب بعفوية: “سنوات السجن كانت بمنزلة ورشة عمل صقلت طريقة حياتي وقيمي، أنا لست فقيرا، إنما الفقراء هم الذين يحتاجون الكثير .. أنا شخص متقشف، لا أحتاج الكثير للعيش بنفس الطريقة التي يعيشها الأغلبية من السكان في البلاد، وهم الذين صوتوا لي في الانتخابات، فهذا الأسلوب يبقيني قريبا منهم، ومنتميا إليهم”.

ولهذا عمل باقتدار على إعادة توزيع الثروة في بلاده، حيث تمكن مع حكومته من خفض معدل الفقر من 37% إلى 11 %. ، وقد عرض في شتاء 2011 على المصالح الاجتماعية في حكومته استعمال بعض أجنحة القصر الرئاسي في العاصمة لتوفير المأوى للمشردين في حالة عدم كفاية المراكز المخصصة لهم، وفي القصر نفسه استضاف مائة يتيم من أطفال سوريا المشردين، بفعل القتال المرير.

لم يأت موخيكا، المولود سنة 1935، إلى الرئاسة بغتة أو بطريق الصدفة، فهو رجل عركته تجربة سياسية طويلة، حيث كان مقاتلاً سابقاً في منظمة توباماروس الثورية اليسارية، وإثر هذا مكث في السجن أربعة عشر عاما. وعمل وزيراً للثروة الحيوانية والزراعة والثروة السمكية من سنة 2005 حتى 2008 وعمل بعدها بمجلس الشيوخ، ثم فاز بالإنتخابات الرئاسية التي جرت في نهاية سنة 2009.

عارض موخيكا التدخين وناضل ضد شركاته ويقول: “لا بد من السيطرة عليه لأنه يقتل المجتمعات ” ولهذا حظره في الأماكن العامة، وكان من أنصار “بيئة نظيفة” ولذا رفض مشروع الطاقة المشتركة مع البرازيل من أجل الحصول على كهرباء باستخدام الفحم. كما يعارض الحروب، ورأى أن العالم ينفق كل دقيقة 2 مليار على الحرب، ولذا طالب الدول بأن تحل مشاكلها بالتفاوض، ويطالب الجميع بزراعة التسامح.

لكل هذا حصل موخيكا على اعتراف دولي بتواضعه واتساقه مع نفسه وعلى لقب “أفقر رئيس في العالم وأكثرهم سخاء”.

بقلم د. عمار علي حسن

كاتب ومحلل سياسي

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *