الإمارات استنفدت رصيدها العربي!
محمد حماد يكتب:*
لم تكن دلالات المشهد أوضح مما بدت عليه في برنامج عماد أديب الذي تبثّه فضائية إماراتية، حيث ظهر الإعلامي المخضرم وكأنه يستجدي الرأي العام العربي للترفّق بالإمارات وسياساتها الراهنة. لم يكن الخطاب دفاعيًا بقدر ما كان تبريريًا، ولم يتوقف عند شرح الخيارات بقدر ما انزلق إلى تعداد الخلافات العربية، قبل أن يبلغ ذروته في مقولة إن العرب قُتلوا بسلاح العرب أكثر مما قُتلوا بسلاح إسرائيل.
هذا الخطاب، في هذا التوقيت تحديدًا، بدا كاشفًا أكثر مما هو مقنع. فحين تضطر دولة إلى مخاطبة محيطها العربي بلغة الاستجداء الإعلامي، لا بلغة السياسة الواثقة، فإن ذلك يشير إلى مأزق حقيقي في العلاقة مع هذا المحيط.
مأزق يتزامن مع تشكّل محور عربي ـ تركي جديد في مواجهة التغوّل الإسرائيلي في المنطقة، بينما تبدو السياسة الإماراتية في موقع دفاعي غير مسبوق عن تموضعها، لا سيما في فضاء خليجي وعربي كان، حتى وقت قريب، أقرب الدوائر وأكثرها تفهّمًا.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ردود الفعل والتعليقات التي رافقت شائعات مرض حاكم الدولة الشقيقة عن هذا المناخ العام.
فما جرى لم يكن تفصيلًا عابرًا أو قسوة لحظة، بل تعبيرًا مكثّفًا عن تحوّل عميق في صورة دولة كانت تُستقبل في الوجدان العربي بالتقدير والاحترام، لا بالنفور أو الشماتة.
بحكم عملي الصحفي في جريدة البيان، أتيح لي في مرحلة مبكرة من تشكّل التجربة الإماراتية الحديثة التعامل المباشر مع حكّام إمارتي الشارقة ودبي.
ما كان لافتًا آنذاك لم يكن فقط التواضع الإنساني في السلوك، بل الإحساس الواضح بالعروبة بوصفها إطارًا للانتماء السياسي والثقافي، لا مجرد خطاب للاستهلاك العام.
كانت العلاقة بين الحاكم وبيئته العربية تقوم على القرب، وعلى إدراكٍ لدور يتجاوز الحسابات الضيقة لدولة في طور التكوين.
لا تُستدعى هذه الشهادة من باب النوستالجيا، بل لأنها تمثّل معيارًا للمقارنة. فما شهدته الإمارات العربية المتحدة خلال العقدين الأخيرين لا يمكن فهمه بوصفه انعكاسًا تلقائيًا لتحولات العالم وحدها.
صحيح أن النظام الدولي تبدّل، وأن مفاهيم السيادة والتحالف والمصلحة أُعيد تعريفها، لكن ما جرى يتجاوز حدود التكيّف إلى إعادة تموضع كاملة، شملت الاصطفاف إلى جانب العدو التاريخي للعرب، والقطيعة مع جزء معتبر من الإرث السياسي الذي صاغ صورة الدولة في محيطها العربي.
ليس من المبالغة القول إن هذا التحول أنتج، لدى قطاعات واسعة من النخب والرأي العام العربي، شعورًا عميقًا بالخيبة. خيبة لا مصدرها العداء، بل خيبة الأمل. فالدولة التي راهن كثيرون على حكمتها وتوازنها، باتت تُقرأ اليوم بوصفها لاعبًا حادًّا، يتعامل مع الإقليم كساحة إدارة مصالح، لا كفضاء انتماء ومسؤولية تاريخية.
التحول الأبرز لم يكن في الأدوات، بل في الفلسفة الحاكمة.
من دولة سعت في بداياتها إلى تثبيت شرعيتها العربية عبر القرب والمساندة والتوازن، إلى دولة أعادت تعريف دورها الإقليمي على أساس النفوذ الصلب وإدارة الصراعات.
هذا التحول في المنظور هو ما جعل الحضور الإماراتي أكثر حدّة، وأقل حساسية للروابط التاريخية، وأكثر التصاقًا بمشروعات إعادة هندسة المنطقة وفق أولويات خارجية، في القلب منها رؤية بنيامين نتنياهو وأهدافه.
هنا يصبح السؤال سياسيًا لا أخلاقيًا: هل كان هذا التحول ضرورة فرضها الواقع، أم خيارًا واعيًا أعاد تعريف الدور والوظيفة، ولو على حساب الرصيد العربي الذي راكمته الدولة في سنوات التأسيس؟
التوقّف الجاد أمام مظاهر النفور والتشفّي التي برزت مؤخرًا لا يمكن اعتباره مجاملة للرأي العام أو استجابة لضغط معنوي. هو ضرورة سياسية صريحة. فهذه المشاعر ليست عرضًا جانبيًا، بل إنذارًا يعكس خللًا في المسار، وفجوة متنامية بين السياسات المتّبعة وصورة الدولة في محيطها العربي.
المطلوب، في هذا السياق، ليس تحسين الصورة أو تعديل الخطاب، بل مراجعة حقيقية للسياسات التي أسهمت في إنتاج هذا النفور.
مراجعة تطرح بوضوح أسئلة الاصطفاف، وحدود التحالف، ومعنى المصلحة، بعيدًا عن منطق التبرير أو الإنكار.
وفي قلب هذه المراجعة، يبرز فكّ الارتباط مع العدو بوصفه مسألة تتجاوز الحسابات التكتيكية. فالاقتراب من العدو لا يُقرأ عربيًا بوصفه برجماتية سياسية، بل كتحوّل في الموقع والانتماء، له أثر رمزي مباشر على صورة الدولة ومكانتها.
كما تفرض الضرورة السياسية نفسها في إعادة النظر في سياسات التدخل في شؤون الدول الأخرى، ليس فقط لما تخلّفه من توترات مباشرة، بل لما تكرّسه من صورة دولة فاعلة بالصدام لا بالتوازن، وبالنفوذ لا بالاحترام المتبادل.
وأخيرًا، فإن الرهان على تجاهل الشعور العام أو التقليل من شأنه رهان خاسر. فالرأي العام، حين يتحوّل من تململ صامت إلى تعبير فجّ عن النفور، يكون قد التقط خللًا حقيقيًا في المسار، حتى وإن عجز عن صياغته بلغة السياسات.
في السياسة، قد تخطئ الدول في الحساب، لكنها تخسر حين تستخف بالإشارات.
وهذه واحدة من تلك الإشارات الثقيلة التي لا يجوز المرور عليها مرور الكرام، فمن يفرط في رصيده العربي، يدفع ثمن ذلك عاجلاً أم آجلاً.
* كاتب صحفي

Average Rating