نكسة مدبولي!
أيمن منصور ندا يكتب:*
مسميات كثيرة أُطلِقت على الظروف الحياتية، والأحوال المعيشية التي يمرُّ بها المصريون في هذه الأيام، منها “الشدَّة المستنصرية الجديدة”، و”السنوات العجاف الجديدة”، و”سنوات التقزم الكبرى”، و”أعوام الرمادة”، و “سنوات الاختناق العظيم”، و”عصر الاضمحلال الأكبر”، وغيرها من المسميات ذات الدلالة التاريخية، في إشارة إلى عمق الأزمة التي يواجهها المواطن، وصعوبة الظروف التي تمر بها الدولة! غير أنَّنا نميل إلى تسميتها “نكسة مدبولي”.. وهي التسمية التي تعبِّر عن جوهر السياسة والإدارة في الجمهورية الجديدة.
اختيارنا لتسمية النكسة باسم الدكتور مصطفى مدبولي لا ينطلق من شخصه بقدر ما ينطلق من النموذج الذي يجسّده؛ نموذج الإدارة التي اختزلت الدولة في جهاز تنفيذي، والسياسة في جداول، والأزمة في أرقام لا ترى الإنسان.. صار الدكتور مدبولي (وحكوماته) العنوان الأبرز لمرحلة كاملة، تحوّلت فيها الدولة، في صورة جمهوريتها الجديدة، من مشروع اجتماعي مؤسسي إلى مشروع هندسي فردي، بلا روح، ولا عقل، ولا عاطفة.. جمهورية تقوم على المظاهر الخادعة، والأرقام “المفزعة”، التي لا انعكاس لها على أرض الواقع.. جمهورية تتغنَّى بالمواطن في وسائل إعلامها، وتسحقه في بيته، وعمله، وحياته الشخصية، وفي لحظاته الحميمية.. جمهورية ترفع شعارات كبرى، في واقع هش، وتوجد فجوة تقدر بعدة سنوات ضوئية بين ما يُقال وما يُعاش… جمهورية مدبولي الجديدة هي الواجهة لذهنية حكم ترى النجاح في الأسمنت، والفشل في البشر، والتقدم في الخرسانة لا في العدالة… لقد أصبحت “مدبولية الدولة” توصيفاً لمرحلة استُبدلت فيها اللوائح بالرؤية، والتقارير الصماء بالسياسة الرشيدة، ومؤشرات الأداء النظرية بالمجتمع الحقيقي… في هذه الجمهورية الجديدة، تفوقت “مدبولية” رئيس الوزراء، على “مدبولية” “عبد المنعم مدبولي” في سخريتها من الواقع، وتوافقت بشدة مع مقولة الفنان عادل إمام “إحنا في زمن المسخ”!
“نكسة مدبولي” هي نكسة نعيشها في كل “تفصيلة” من تفاصيل حياتنا الراهنة؛ سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً، وتعليمياً، ورياضياً، وأخلاقياً، وإعلامياً، وعلى صعيد السياسة الخارجية، وفي مقدرات الأمن القومي.. وفي اعتقادي، فإنَّ النكسة الحالية أشدُّ وقعاً وأكبر تأثيراً من نكسة 1967.. كانت نكسة 1967 (نكسة حدود) سرعان ما استعادتها القوات المسلحة الباسلة حين كُلّفِت بالأمر، وصدر لها التكليف الاستراتيجي بإنجاز المهمة.. ونكستنا الحالية لا عودة منها، ولا تعافي، ومستمرة معنا لعدة عقود قادمة.. نكستنا الحالية (نكسة وجود)، تتآكل فيها الدولة بالتدريج، وتٌستنَزف فيها مواردها بشكل مستمر، وتفقد فيها قوتها ومقدراتها وإمكانياتها بشكل متصل.. نكسة مدبولي تتلخص في فقدان البوصلة ونفاد الوقود وسط صحراء لا متناهية، والمحصلة النهائية على حدِّ تعبير (الشيخ عبدربه التائه): “إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل”!
نكستنا الحالية لا علاقة لها بأي طرف خارجي؛ هي نكسة داخلية نتيجة سوء السياسات العامة، والفشل في إدارة الموارد المتاحة.. وهذا هو مصدر صعوبة الموقف الحالي، وتلك هي المشكلة.. لا يوجد طرف خارجي (حقيقي) يمكن أن نتهمه بما نحن فيه، ولا يوجد عدو ظاهر (فعلي) نُحمِّل له النكسة.. نكستنا من صنع أيدينا، وبسبب سوء تقدير الموقف الحالي، ولغياب رؤية حقيقية لمستقبلنا.. معظم الأهداف التي دخلت مرمانا في العقدين الماضيين من صُنْع أيادينا (القصيرة)، وبأقدام لاعبينا الغشيمة، ومن نتائج تطبيق سياساتنا العقيمة.. أصعب أنواع النكسات هي التي يتسبَّب فيها أصحابها ولا تكون مفروضة عليهم من الخارج..
للمؤرخ البريطاني الشهير “أرنولد توينبي” (1889- 1975) مقولة شائعة: “الحضارات تموت بالانتحار وليس بالقتل، والدول لا تسقط حين تُهزَم في المعارك، بل حين تنهار روحها من الداخل”، وهي الفكرة ذاتها التي أشار إليها “بن خلدون” في مقدمته من أنَّ انهيار الممالك والدول يبدأ من داخلها، ولذلك قيل: “إنَّ الهزيمة لا تبدأ في ساحات القتال، بل تبدأ عندما ننهزم أمام أنفسنا”… وفي النكسة الجديدة، فإنَّ هزيمة الأفراد معنوياً قاسية جداً، الأمر الذي ضاعف من حدة الكارثة، وترك بصماتها العميقة على البنية المجتمعية.. ولعلَّ أكثر ما يوجعنا في هذه النكسة، وأكثر ما يقلقنا فيها هو تآكل الأمل الجمعي في المستقبل، والحنين الجارف إلى الماضي رغم سوءاته ومآسيه.
ولأنَّ نكسة مدبولي كاملة وشاملة، فلا يجب أن يكون سبب النكسة هو المسؤول عن إصلاحها.. نظرية “نزار قباني” في الحب والغرام لا يجب استخدامها في الاقتصاد وفي مصائر الشعوب.. كان نزار قباني يرى أنَّ “من بدأ المأساة ينهيها.. وأنَّ من فتح الأبواب يغلقها.. وأنَّ من أشعل النيران يطفيها”.. غير أنَّ من أفسد الاقتصاد، وأغرق مصر في الديون، ونزع عن الشعب لباس التقوى والاطمئنان، وأذاقه عذاب الفقر والجوع، لا يجب أن يكون متصدراً للمشهد، وقائداً لفرق الإصلاح.. يذكرني إعادة تكليف الدكتور مصطفى مدبولي بتشكيل الحكومة الجديدة، وتفاؤل الإعلام الرسمي به وبحكومته، بقبطان السفينة “تيتانيك” الذي أمر الفرقة الموسيقية بالاستمرار في العزف والغناء، بينما السفينة تغرق.. وإذا لم يكن من الغرق والموت بدٌّ، فليكن الغرق ونحن نستمع إلى موسيقى حكومة الدكتور مدبولي، حتى ولو كان أداؤها نشازاً، وخروجاً على كافة الأعراف الموسيقية!
شركاء النكسة
في نكسة 1967، برز اسم المشير عبد الحكيم عامر باعتباره سبباً رئيساً للنكسة، إضافة إلى أربع شخصيات أخرى هيأت الطريق إلى النكسة، ومهدت السبيل إلى الهزيمة، ذكرناها بالتفصيل في كتابنا “مصر بين نكستين”.. في النكسة الحالية (نكسة مدبولي)، يمكن الإشارة إلى أنَّ دوائر صنع القرار امتلأت بشخصيات لعبت أدواراً محورية في صناعة الأزمة، وفي الوصول إلى محطة النكسة؛ يمكن الإشارة إلى خمسة أسماء بارزة، مسئولة بشكل رئيس عنها، وتسببت فيها، يأتي على رأسها الدكتور مصطفى مدبولي نفسه، وأربع شخصيات أخرى، يمكن الإشارة إليها باختصار على النحو التالي: –
الفريق كامل الوزير: نحل الفريق كامل الوزير “وبر البلد” بمنطوق الرئيس السيسي، وعمَّق من أزمتها، وسرَّع من وتيرة حدوثها.. الفريق كامل الوزير رجل تنفيذ شاطر، ومنضبط، لكنه يفتقد أدنى درجات السياسة، والكياسة، ويفتقد القبول السياسي العام، والقدرة على كسب التعاطف كمسؤول.. أغرق الوزير (كامل) البلد في ديون لم يستطع أن يعوضها أو ينفذ وعده بطباعة الدولار وصناعته في مصر.. أشار (كامل) إلى أنَّ وزارته حوَّلت “المستحيل Impossible إلى واقع ممكن Possible “، والحقيقة على عكس ذلك تماماً، فقد أحال البدائل الممكنة إلى أماني مستحيلة.. بدأت النكسة الجديدة منذ تولى كامل الوزير المنصب الوزاري (2019)، وتطوَّرت بتوسع صلاحياته، حتى وصلنا إلى لحظة اكتمال النكسة في هذه الأيام.
المصرفي طارق عامر: صاحب السياسات النقدية الإغراقية، والذي وعد المصريين بأن يصبح الدولار بأربعة جنيهات، قبل أن يغادر منصبه وقد وصل إلى سبعين جنيهاً.. كانت سياسات البنك المركزي في عهد طارق عامر سببا رئيسا للنكسة، وعاملاً من عوامل الإخفاق الكبير.. فتح مطابع البنك المركزي بلا قيود، وعلى البحري، وتمت في عهده طباعة أكبر كم من النقود، مما أدى إلى التضخم، وانخفاض سعر العملة، وارتفاع الأسعار.. وأدَّت السياسات النقدية إلى ضياع مدخرات المصريين، وزيادة الديون الداخلية على الدولة، وإفقار الشعب بشكل حرفي.
وزير المالية الدكتور محمد معيط، هو مهندس السياسة المالية في سنوات التوسع في الاقتراض، ارتبط اسمه بزيادة العبء الضريبي والدين العام، في مقابل انكماش الحماية الاجتماعية الفعّالة.. وإذا أردنا اسمًا واحدًا يرمز للنكسة الاقتصادية بوصفها أزمة بنيوية مستمرة وليست عارضة أو مؤقتة، فسيكون الدكتور محمد معيط؛ لأنه لم يُدِر أزمة، بل أسّس لنموذج استدامتها.. هو صاحب فكرة سداد الدين بالاقتراض، استناداً إلى مقولة “وداوني بالتي كانت هي الداء”، وهو المطبِّق الأكبر لفكرة التوسع الشديد في فرض الضرائب على المصريين لتغطية عجز الموازنة.. في عهده، ترحَّم المصريون على “رحمة” الدكتور محمد الرزاز في حكومة الدكتور عاطف صدقي! و”عقلانية” الدكتور بطرس غالي في حكومة الدكتور أحمد نظيف.. واستطاع الدكتور محمد معيط أن يوحِّد كل فئات الشعب على كراهية سياساته “ودعا عليك الله في محرابه: الشيخ والقسيس والحاخام”!
(أ. ش.)، رئيس تحرير مصر، والرئيس التنفيذي لمصر في المجالين السياسي والإعلامي خلال الفترة من (2014- 2024) …. ولو كان لي أن أعيد ترتيب هذه الأسماء لكان هو على رأس القائمة بدلاً من مدبولي.. سيطر الرجل على كافة مفاصل الدولة لمدة عقد كامل، بصلاحيات غير محدودة، وبنفوذ غير مقيَّد، وبسلطات كاملة غير منقوصة، وأدار عملية الهندسة السياسية والإعلامية في مصر بفجر واضح، وبديكتاتورية جلية، وبعشوائية غير خافية.. ورغم كونه مهندساً، فقد افتقدت خططه وتصميماته لأدنى قواعد الهندسة العلمية، ومبادئ السياسة العاقلة، وأعراف الحكم الرشيد.. وكان ضحية لأخطائها جميعاً.. ورغم قدراته الإدارية والتنفيذية الفائقة، ومواهبه الأدبية والفنية الرائعة، فقد طغت شطحاته الاستبدادية، وطموحاته المستقبلية (لأن يصبح رئيسا للبلد) على أداء المؤسستين السياسية والإعلامية في مصر، وكان سببا رئيساً في نكسة مصر الجديدة (نكسة مدبولي)..
وأخيراً، يقتضي الإنصاف القول بأنَّ هؤلاء الرجال لم يكونوا فاقدي الوطنية، بل كانوا وطنيين أخلصوا النية، ولكنَّهم أخطأوا الطريق، فكانت النتيجة نكسة بحجم إخلاصهم.. وتفرض الموضوعية الإشارة إلى أنَّ بعض هذه الشخصيات كانت من العلم والخبرة والمعرفة ما يفوق بمراحل غيرها من الشخصيات التي كانت من حسن حظها أنَّها لم تُختَبر في وقت أزمة أو شدة أو نكسة..
حفظ الله مصر، وشعبها، وجيشها، وأعان رئيسها، الوطني المُخلِص، على اتخاذ ما فيه مصلحة العباد والبلاد من قرارات، وما تتطلَّبه النكسة الجديدة من سياسات، وإجراءات.
* كاتب واكاديمي
من صفحته على فيسبوك

Average Rating