طرابلس تُدار من الخارج: من “تدمير الدولة” إلى “تدوير العملاء”!
موسى إبراهيم يكتب :
يطلب مني العديد من الرفاق العرب توضيحاً لما يحدث في العاصمة طرابلس هذه الأيام، وهذا مختصر لا أكثر:
قبل أيام قُتل الميليشاوي عبد الغني الككلي، الملقب بـ”غنيوة”، أحد أبرز أمراء الحرب في اطرابلس وقائد ما يسمى بجهاز دعم الاستقرار، على خلفية صراع ميليشياوي حول التحكم في أموال وأصول وإدارة “الشركة الليبية القابضة للاتصالات”. لم تكن هذه التصفية المفاجئة مجرد حدث أمني عابر، بل محطة تجديدية في مشروع مستمر منذ عام 2011، يهدف إلى إبقاء ليبيا دولة فاشلة بلا سيادة، تُدار من الخارج، ويتصارع على إدارتها وكلاء محليون يعملون لحساب منظومة الهيمنة الغربية.
– من إسقاط الدولة إلى تفكيك المجتمع:
ما يجب ألا ننساه، هو أن ما يحدث اليوم في اطرابلس وعموم ليبيا ليس إلا نتيجة مباشرة للجريمة الكبرى التي ارتُكبت عام 2011، حين شنّ حلف الناتو عدواناً عسكرياً شاملاً على البلاد، ودمّر منظومة الدولة الليبية بكاملها. في ذلك العام، لم يُسقط الغرب “نظاماً” كما يدّعون، بل أسقط دولة سيدة، ذات مؤسسات، جيش، أمن، بنية اقتصادية مستقلة، وخطاب وحدوي جامع.
ثم أطلقوا مشروع “ليبيا الجديدة” الذي لم يكن سوى غلاف مخادع لتمزيق الوطن وتحويله إلى مزارع ميليشياوية، تديرها السفارات، ويُمنح فيها السلاح للمجرمين، وتُغذَّى النعرات القبلية والجهوية والطائفية، ويُقمع فيها كل صوت وطني.
الميليشيات التي تحكم اليوم العاصمة صُنِعت جميعها في لحظة انهيار 2011، وجرى تسليحها وتمويلها بدعم مباشر من حلف الناتو والدول الغربية، بحجة دعم “الثوار”. أما السياسيون الذين يتصدرون المشهد منذ ذلك الحين (بما فيهم “حكومة الوحدة الوطنية” برئاسة عبد الحميد الدبيبة)، فلم يأتوا بانتخابات ولا شرعية شعبية، بل تم تعيينهم في مؤتمرات دولية في عواصم غربية، ومُنحوا الشرعية بقرارات أممية مفصّلة مسبقاً.
– رأس المال المشوّه: ذراع السيطرة الناعمة:
إلى جانب ميليشيات الثوار الإجرامية، و عصابات السياسيين العملاء، ظهر فاعل ثالث لا يقل خطورة: رأس المال الليبي المشوّه، المرتبط عضوياً بمنظومة النيوليبرالية العالمية. رجال أعمال طفيليون استفادوا من الفوضى، وتحولوا إلى واجهات لتمرير الصفقات الغربية، وشاركوا في تخريب الاقتصاد الوطني عبر الخصخصة، المضاربة، شراء الذمم، وتحويل الدولة إلى “سوق مفتوحة” لنهب النفط والاتصالات والخدمات.
هذه الطبقة الطفيلية المشوهة أصبحت اليوم شريكاً أساسياً في المؤامرة، تموّل الأحزاب الهشة، وتشتري الميليشيات، وتسوّق لمشاريع “الإصلاح” التي لا هدف لها سوى إعادة إنتاج التبعية تحت غطاء “التنمية” و”توحيد المؤسسات”.
– المشروع الوطني ممنوع… لأن الناس لا يفهمون طبيعة الصراع!
المأساة الأكبر أن غالبية الليبيين لم تُتح لهم الفرصة لفهم طبيعة الصراع الحقيقي – حتى الليبيين “الوطنيين” الذين وقفوا ضد حلف الناتو. فالكثيرون يغرر بهم بها بشعارات التوافق السياسي، ومصطلحات الاستقرار الممكن، والانضمام لـ “المجتمع الدولي”، وغُيّبت عن إدراك أن معركتنا الحقيقية ليست بين شرق وغرب، ولا بين قبائل ومناطق، بل بين مشروع استقلالي وطني، ومشروع هيمنة دولية يسعى لتفتيت ليبيا وتجزئة إرادتها.
– إن كل محاولة لبناء تيار وطني مستقل – سواء كان سياسياً أو شعبياً أو فكرياً – جرى ضربها في مهدها:
بالشيطنة، بالتخوين، بالعزل، أو بالتصفية.
ليس لأن هذه المحاولات فشلت ذاتياً، بل لأن وجودها نفسه يُهدد المشروع الغربي الذي لا يريد دولة ليبية موحّدة ضمن محيطها العربي الإفريقي، بل فسيفساء متصارعة تُدار بالريموت من الخارج.
– “غنيوة” كأداة… لا كقضية:
ولذلك، فإن تصفية الآمر الميليشياوي اغنيوة ليست نهاية مرحلة، بل تجديد للعبة. فقد كان أداة في يد الخارج، وحين تمرد قليلاً على الخط الأحمر المالي والسياسي لأغراضه الشخصية، أُزيح. لكن البديل جاهز… والعميل القادم ينتظر دوره. في هذه اللحظة بالذات كان الصراع بين الميليشيات حول التحكم في الشركة الليبية القابضة للاتصالات والتي تمثل منجماً من الثروات والأهمية الاستخباراتية أيضاً، وفي المرات القادمة ستكون شركة أخرى أو وزارة أو سلاح أو غيرها.
وهكذا يستمر مشهد “اطرابلس المدارة دوليًا”، بلا سيادة، بلا جيش موحّد، بلا مشروع وطني تحرري.
والخلاصة؟
ما نعيشه اليوم هو فصل متقدّم من مسلسل إخضاع ليبيا لمشروع استعماري ناعم، لا يُمارَس عبر الجيوش، بل عبر الميليشيات، السفارات، الشركات، والطبقة المالية الطفيلية.
وإن لم يستيقظ الليبيون على حقيقة الصراع، ويبدأوا في بناء تيار وطني مستقل يؤمن بالوحدة والسيادة والتحرّر من الوصاية، فستظل اطرابلس تُحكم بالدم، وتُدار من الخارج، وتُباع قطعةً قطعة… تحت شعارات “الاستقرار” و”المرحلة الانتقالية” و “الديمقراطية”.
… وللحديث بقية.

Average Rating