تحديث مكتبات المؤسسات التعليمية وسمات القائد المؤهل

Read Time:3 Minute, 0 Second

د . محمد جمال الدين يكتب: 

في الوقت الذي تتجه فيه المؤسسات التعليمية إلى التحول الرقمي الشامل، تبرز المكتبة كإحدى أهم البنى التحتية التي تحتاج إلى إعادة بناء معرفية وتقنية متقدمة، وفي قلب هذه العملية المعقدة، يقف “مشرف تطوير المكتبة” بمسؤولية ضخمة تتجاوز حدود الوظيفة الإدارية، لتصل إلى مصاف القيادة الإستراتيجية، إنها ليست وظيفة عادية، بل موقع بالغ الخطورة والتأثير، من شأنه أن يُحدد مستقبل المعرفة والبحث داخل المؤسسة التعليمية.

إن المهمة التي يقوم بها مشرف تطوير المكتبة فى المؤسسات التعليمية ليست مجرد مهمة تنفيذية، بل هي مسؤولية ذات أبعاد متعددة، فكرية، أكاديمية، مالية، وتقنية، مما يجعلها من أخطر المهام داخل المؤسسة، وتتجلى خطورة هذا الدور في النقاط التالية، التأثير المباشر على جودة التعليم والبحث العلمي، أي تقصير في هذه المهمة سينعكس سلبًا على كافة المستفيدين من المكتبة، من طلاب وباحثين وأكاديميين، علاوة على أن القرار الخاطئ قد يُكلف المؤسسة باهظًا، سواء من حيث الميزانية، أو الوقت، أو السمعة الأكاديمية، إضافة إلى صعوبة المواءمة بين التقاليد الأكاديمية والتقنيات الحديثة، إذ أن التحديث لا يعني تدمير هوية المكتبة، والمشرف عليه أن يحافظ على التوازن بين الحداثة والأصالة، مع التعامل مع حقوق الملكية الفكرية وقضايا قانونية دقيقة، وهو أمر يتطلب وعيًا قانونيًا وتقنيًا في آنٍ معًا، إضافة إلى ذلك لابد من توخى الحذر فهناك قد يكون إدارة موارد بشرية ومادية ضمن بيئة مقاومة للتغيير أحيانًا، أى مقاومة بعض الموظفين أو القيادات العليا للتحول الرقمي قد تشكل تحديًا خطيرًا.

إن من يتولى هذه المهمة الحساسة يجب أن يتمتع بصفات شخصية قيادية ونفسية خاصة تؤهله لخوض غمار هذا التحدي، ومنها، القدرة على إتخاذ القرار في ظل الضغوط، فالتأخر في إتخاذ قرار التطوير أو اعتماده بشكل عشوائي قد يؤدي إلى نتائج كارثية، إضافة إلى المرونة الفكرية والانفتاح على التغيير، فلا يمكن أن ينجح مشرف لا يؤمن بالتطوير أو يفتقر لروح الابتكار، أيضاً هناك روح المبادرة والرؤية المستقبلية، لأن التحول الرقمي لا يحدث فجأة، بل يُبنى على خطط ورؤى بعيدة المدى، مع عدم إغفال القدرة على الإقناع والتأثير، خصوصًا في قيادة فريق متنوع الخلفيات، أو إقناع الإدارة العليا بتمويل مشروع تحديث المكتبة.

يعتمد نجاح المشرف على تطوير المكتبة أيضًا على مؤهلاته العلمية وخبراته العملية، ومنها شهادة جامعية متقدمة في علوم المكتبات، نظم المعلومات، أو إدارة المعرفة، ويفضّل أن يكون حاصلًا على دورات متخصصة في التحول الرقمي أو تكنولوجيا المعلومات، وإلمام شامل بمنظومات إدارة المكتبات الرقمية مثل Koha، Alma، أو WorldShare، علاوة على معرفة عميقة بقواعد البيانات الأكاديمية ومصادر المعلومات الإلكترونية، بالإضافة إلى خبرة سابقة في إدارة مكتبات جامعية أو مشاريع رقمية مماثلة، وامتلاكه قدرات في إعداد الميزانيات والتخطيط الاستراتيجي، باعتبار أن التطوير يحتاج إلى إدارة موارد ذكية، والقدرة على إدارة المشاريع المعقدة والتنسيق بين الفرق المختلفة (التقنية، الأكاديمية، المالية)، كذلك تقييم وتطوير السياسات الخاصة بالمكتبة الرقمية، وضرورة امتلاك مهارات تواصل فعالة شفويًا وكتابيًا مع الإدارات العليا والهيئات التدريسية، مع التخلى بالاطلاع المستمر على التطورات العالمية في مجال تكنولوجيا المعلومات والمكتبات، واستخدام أدوات التحليل واتخاذ القرارات المبنية على البيانات، مثل تقييم استخدام قواعد البيانات وتحليل سلوك المستفيدين.

وحتى المشرف الكفء سيواجه تحديات دائمة تستوجب استعدادًا ذهنيًا ومهنيًا، منها مواكبة الابتكارات التقنية المتسارعة، والتحول نحو الذكاء الاصطناعي وخدمات المساعدات الرقمية داخل المكتبة، ولتعامل مع جيل جديد من الطلاب الذين يفضلون المحتوى الرقمي السريع على القراءة التقليدية، مع تحقيق التكامل بين المصادر الورقية والرقمية بطريقة متوازنة.

إن المشرف على تطوير وتحديث المكتبات في المؤسسات التعليمية لا يقوم بعمل تقني بحت، بل هو قائد معرفي في بيئة معقدة ومتحولة، وخطورة المهمة تكمن في حجم الأثر، ودقة التفاصيل، وتشابك العلاقات. لذلك فإن اختيار هذا الشخص لا يجب أن يكون قرارًا إداريًا تقليديًا، بل قرارًا استراتيجيًا مدروسًا يضع مستقبل المعرفة في الحسبان، فمن يقود المكتبة، يقود العقل الأكاديمى.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *