مسرح بلا وعي .. من يُوعّي من؟!

Read Time:3 Minute, 25 Second

بقلم : د. محمد جمال الدين 

ندرك أن المسرح التوعوي ليس نوعًا جديدًا من الفن، بل هو امتداد لدور المسرح التاريخي كأداة لتوجيه الرأي العام، وتنمية الوعي الجمعي، وتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية،

لكن حين يُستدعى المصطلح دون فهم واضح لجوهره، يتحول إلى يافطة دعائية تخفي فراغًا فكريًا، لا سيما عندما يُربط بقضايا كبرى كـ”حروب الجيل الرابع والخامس”.

لذا علينا أن نعمل على ضبط المصطلح أولًا، فمصطلح “المسرح التوعوي” بحاجة إلى ضبط معرفي ومهني، لا أن يُستخدم كمظلة تغطي عجزًا في الرؤية، فالتوعية ليست مجرد شعارات تُطلق على الخشبة، بل هي عملية فنية مركبة تتطلب سينوغرافيا واعية، ومضمونًا نقديًا، وأداءً يحمل فكرًا لا تلقينًا مباشرًا، وإذا كانت العروض الحالية والتى تقدم فى عروض المسرح التوعوى تحاول الحديث عن حروب الجيل الرابع والخامس، فإن أول ما تحتاجه هو فهم تلك الحروب، لا تقليد العبارات الرسمية أو نقل محتوى “الباوربوينت” إلى المسرح.

ومنذ أيام ظهر لنا بداية فاعليات تحمل اسم عروض المسرح التوعوى، والتى جاءت فجائية وستكون حتما بلا هوية، فالعروض ظهرت فجأة، وكأنها وُلدت من فراغ، لا إعلان مسبق، لا خطة إنتاج معلنة، لا تفاصيل واضحة، فهل هذا مسرح؟ أم تنفيذ جلسات مشبوهه في الغرف المغلقة؟، وفي غياب الشفافية، التى تضيع معها المسؤولية، وتتحول العروض إلى شكل بلا مضمون، هيكل مسرحي يخلو من الروح، يخاطب المجهول، ويستهلك الوقت والمال العام بلا عائد حقيقي.

هناك سؤال محورى هام فى نفس السياق وهو، من يكتب؟ ومن يُخرج؟، وهذا السؤال الجوهري، يسأل فى من المؤهل لتأليف هذه العروض؟ وهل مخرجو الثقافة الجماهيرية، بوضعهم الحالي، مؤهلون فكريًا وفنيًا لذلك؟، الحقيقة أن كثيرًا منهم يفتقر إلى الحد الأدنى من الفهم السياسي، أو التحليل الإستراتيجي الذي تتطلبه موضوعات مثل حروب الجيلين الرابع والخامس، والمشكلة الأكبر أن بعضهم لا يملك حتى الأدوات المسرحية الحقيقية، بل يعتمد على من يدير العمل اعتمادًا على الشللية والمجاملات والمصالح الضيقة، التى منحت هذا أو ذاك فرصة التأليف أو الإخراج.

سؤال أخر يطرح نفسه بقوة وهو أين فلسفة هذه العروض؟، والإجابة حتمية أنه لا وجود لفلسفة حقيقية وراء هذه العروض، إذ أنها في الغالب سوف تكون خطب وعظية، موجهة، نمطية، تعتمد التلقين بدلًا من التساؤل، ولا تحمل رؤية فنية قادرة على تحفيز الفكر، والمثير أن هذه العروض تُقدم وكأنها مشروع وطني، بينما تغيب عنها كل عناصر الجدية، فلا مراجع بحثية، ولا استشارات فكرية، لا ورش إعداد حقيقية.

إن ما حدث يمكن أن يسمى مسرح السرية والمفاجآت، فلماذا لا تُعلن إدارة المسرح عن تلك العروض؟ لماذا تظل قيد الكتمان حتى لحظة العرض؟، الأمر يوحي بأن هناك ما يُراد تمريره دون رقابة أو مساءلة، وربما يخشى القائمون عليها النقد أو المحاسبة، فيختارون العمل في الظل، ثم يخرجون للضوء بإنجاز “مفاجئ”، شكلي، وسريع الزوال.

وعليه فنحن أمام ما يمكن أن نقوله عنه شللية المسرح، والوجه القبيح، فقد تحوّل مسرح الثقافة الجماهيرية إلى كيان يُدار بالشللية، والمحسوبية، وتصفية الحسابات، فالاختيار لا يتم على أساس الكفاءة، بل بناءً على القرب من دوائر النفوذ، أو تقديم الولاءات، والمؤسف أن كثيرًا من القائمين على تلك المشاريع، والقائمين على تلك العروض الحالية لا يحملون مؤهلات علمية أو عملية في المسرح أو في الفكر السياسي، مما يجعل المنتج الفني متواضعًا في أفضل الأحوال، وخطيرًا في أسوئها.

وعليه تتحول تلك العروض إلى مجرد تنفيذ إداري أو سباق لتقديم “نشاط” دون روح، فتصبح بلا هدف، فبدلًا من أن تثير الأسئلة، تكتفي بطرح إجابات جاهزة، وبدلًا من أن تبني وعيًا نقديًا، تمارس التلقين وتكرار الشعارات، وهنا تفقد التوعية معناها، ويصبح المسرح مجرد صدى لخطاب بيروقراطي.

والسؤال هنا إلى متى يستمر هذا العبث؟، إلى متى يظل مسرح الثقافة الجماهيرية رهين الضعف الفني، والمصالح الضيقة، والتجريب العشوائي؟، الأمر يتطلب وقفة، وقفة حقيقية تراجع كل ما يحدث، وتعيد هيكلة المسرح الثقافي من جديد، على أساس الرؤية والفكر والاختصاص، لا المجاملات والشللية.

كما أن الحل ليس في إنهاء تلك التجارب، بل في تصويبها، في أن يتولى أمر المسرح من يحمل مشروعًا حقيقيًا، من أصحاب المؤهلات العلمية والعملية، من يعرف الفرق بين المسرح كفن، والمسرح كمنبر للسلطة أو لتصفية الحسابات، من يعى أن “المسرح التوعوي” لا يعني تقديم خطاب موجه، بل يعني تقديم فن يضيء الزوايا المظلمة في وعينا، ويجعلنا نطرح الأسئلة، لا أن نردد الأجوبة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *