دباحين بسكاكين (تلمة)!!

Read Time:3 Minute, 50 Second

ماذا حلّ بنا لنتحول إلى دباحين بسكاكين (تلمة) وننهال تقطيعا وطعنا في كل من يخطئ، ونتحول جميعا إلى ملائكة لا تخطئ، ومعظم -وأقول معظم من أجل الدقة- من يكتب منتقدا أو شامتا أو شاتما أو واعظا هو يخفي أخطاءه وأمراضه النفسية وراء شاشة موبايله، ينفث فيها حصيلة إحباطه وبؤسه ويأسه مدعيا أخلاقا وفضائل ومبادئ ومُثلا عليا لو طبقها على نفسه بصدق بينه وبين نفسه لكان أول الراسبين، ومع ذلك يجلس متكئا أمام شاشة موبايله يصدر أحكاما لا تكلفه شيئا، ويمارس تنمّرا لا يدفع له أثمانا، بل تزيده إحساسا بأنه المميز الذي لم ولن يقع في الخطأ، لأن ربه قد عصمه، وبالطبع لو كانت الكلمات الجارحة في حق مسؤول أو نظام سياسي سيحاسب عليها سجنا أو ضررا في رزقه لاستكان ذليلا مدحورا غير مبدٍ رأياً، لكنه الاستضعاف يا سادة، وعودتنا السوشيال ميديا ألا نستقوى إلا على أصحاب الحيطة الواطية الذين لا يملكون لنا ضررا ولا حسابا.

المفارقة أن الذين يمتلكون الشجاعة وينتقدون نظاما ومسؤولين هم أبعد الناس عن الهجوم المجاني على الضعفاء والحوائط الواطية، وينزهون أنفسهم عن الوقوع في هذا المستنقع. أما الذين يصطنعون شجاعة ويهاجمون الذين لا حول لهم ولا قوة هم غير مدركين تأثير كلماتهم التي تذبح وأوصافهم التي تدمر إنساناً قد أخطأ، بدلاً من أن تقوّمه وتعود به للطريق الصحيح.

من منا في لحظات ضعف يمر بها لا تدفعه نفسيته غير المتزنة لارتكاب حماقات وأخطاء، وفي أحيان خطايا.

إن السوشيال ميديا حولتنا إلى وحوش، نحترف نهش الآخر ونتلذذ بتعذيبه.

#مها_الصغير قد أخطأت لا مواربة ولا شك في ذلك، ولكنها اعتذرت وتحدثت عن ظرفها الإنساني المؤلم، لا لكي تبرر ما فعلته، ولكن لكي تفسره.. هل تدرون ما معنى أن شخصا يعاني من ضغوط نفسية قاهرة.

مها الصغير، تلك الفتاة الصغيرة التي تزوجت نجما يحقق نجاحات كبيرة عبر سنوات ممتدة وتتماهى في نجاحه وتختصر مشوارها في مشواره وتكرس حياتها له ولأطفالها وتنسى تحقيق ذاتها، وفجأة وبعد أكثر من عشرين عاما تدرك أنها لم تحقق شيئا لنفسها بنفسها، فتضطرب نفسيتها وتحاول اللحاق كي تلمس شيئا آخر يسعدها -سواء في حياتها الخاصة أو في تحقيق ذاتها- غير نجاح زوجها وفرحها بأبنائها، فتخطئ في نظر البعض أو تصنع ما هو من حقها في وجهة نظر البعض الآخر ولا تجد من يحتويها ويحنو على ضعفها، فتضطرب حياتها أكثر بتعرض الكافة لأمور حياتها الخاصة، وتتلقى اتهامات يمينا ويسارا، فيدفعها عقلها الباطن لإثبات ذاتها عن طريق انتحال رسم لوحات ليست من صنع يديها للبحث عن إعجاب في أعين من أهانوها.. كل ذلك تفسير وليس تبريرًا، ووضع الأمور في خانة علم النفس لا في خانة تبادل الشتائم والاتهامات، فهي لم تنسب اللوحات لنفسها بحثا عن مال أو مجد، أو بدافع الاحتيال والنصب، كما صنعت إحداهن في الماضي القريب (غادة والي)، ولكنها نسبتها لنفسها لإشباع نفسها الممتلئة فراغا ولصياغة قصة وهمية قد اقتنعت بها من كثرة تكرارها لذاتها ولمن حولها، وقد استراحت لها نفسها التي تشعر بالهزيمة، وصنعت ما سمته أستاذة علم النفس الدكتورة براءة جاسم بـ(تعويض الهوية)، وشرحتها بأن قالت إنه حين يشعر الإنسان بأنه بلا تقدير وبلا إنجاز تنشأ بداخله رغبة قوية في أن يمنح دوراً لنفسه حتى لو كان مزيفا لإرضاء ذاته بالتواطؤ مع نفسه لتحمل معاناته.

 

فهل مطلوب منا في مثل هذه الحالة غير إرساء قيمة الحق بإعلان أن تصرفها مرفوض ويصل لحد الخطيئة، ولكن في ذات الوقت لابد من تكريس قيمة التسامح والمغفرة كي نساعدها على النهوض مادامت اعتذرت، ولا نجهز عليها فنجعلها إنسانة مشوّهة مجروحة لا تستطيع أن تعالج جروحها ولا تبقى لها طاقة لتحمل الألم والمعاناة.

هل أصبحنا محترفي هدم الإنسان والإجهاز عليه بدلا من تقويمه ومساعدته على النهوض؟

البعض ممن كتب وهاجمها هو نفسه في لحظة ما أخذ بيت شعر أو مقولة ونسبها لنفسه لأنه شعر أنها لمست وجدانه وتوحّد معها بروحه وشعر أنها تعبر عنه وكأنه من إبداعها.

الفرق الوحيد أنه لم تأت الفرصة ويعلن ذلك على الملأ فيحظى بشتائم وهجوم الجميع.

ولأن المقال قد طال سأخصص بوست آخر لشيرين عبدالوهاب..

ولكن في عجالة أقول إن هذه الفنانة الاستثنائية بحاجة لدعم نفسي من محبيها ومن عارفي قيمتها الفنية.

وفي حالة شيرين بالذات، هذا الدعم عائد لنا للحفاظ على قوتنا الناعمة، فهي أهم مطربة في الخمس وعشرين سنة الأخيرة، ولا نملك غيرها، لا في مصر ولا في أمتنا العربية.

فعندما تتعرض لضغوط نفسية قاسية تفقدها اتزانها أو تسوء اختيارتها أو تخطئ في تصريحاتها أو تصرفاتها ننسى فجأة ما أسعدتنا به عبر سنواتنا ونبدأ في التجريح، بدلا من معاونتها على القيام والنهوض والعودة لتتصدر مرة أخرى واجهة الغناء المصري، وننسى أنها كانت سترًا لقيمة مصر في زمن الاضمحلال والجفاف الفني.. نعم أقصد كلمة الستر.

إن شيرين قد سترت صورة مصر الفنية طوال العشرين سنة الأخيرة.

كونوا رحماء، يرحمكم الله.. كونوا رفقاء ليّني القلب قبل أن تقسو عليكم الحياة، فكما تدين تُدان، وغدا، والله أعلم بغيبه، قد يجعلك القدر نهباً للشماتة والتريقة والسخرية.

بقلم / خالد يوسف

مخرج سينمائي

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *