تأييد المقاومة على حرف!!

Read Time:2 Minute, 31 Second

النخبة بين هشاشة انحيازاتها والفزع عند الفعل المقاوم

في زمن المذابح اليومية والإبادة المستمرة، والتجويع القاتل والتدمير الذي فاق كل حد، والمخططات المعلنة للتهجير، لا يكفي أيها السادة أن نعلن تأييدنا للمقاومة ونسحبه في ذات الوقت.

المسألة لم تعد في إثبات شرعية الفعل المقاوم، بل في مساءلة نوعية التأييد الذي يُمنح له. هل هو تأييد متجذر؟ أم تأييد هش، يقف على حرف، يتراجع عند أول اختبار؟

ما أسميه “التأييد الهش” هو في جوهره تأييد مشروط، انتقائي، ومراوغ—يُرفع كشعار حين تكون المقاومة فكرة مجردة، لكنه يُسحب أو يُعاد تأطيره حين تتحول إلى فعل ملموس، خاصة إذا كان هذا الفعل صادمًا أو غير منسجم مع الذائقة الليبرالية أو الحسابات السياسية للنخب.

هؤلاء المثقفون يعلنون تأييدهم للمقاومة “كمبدأ”، لكنهم ينقلبون عليها حين تُمارَس، خصوصًا إذا جاءت خارج النموذج الذي يتخيلونه: أنيقة، رمزية، غير عنيفة، أو قابلة للتسويق.

في لحظة الفعل المقاوم ـ كعملية القدس، أو اشتباك غزة، أو عملية عرزة ـ تظهر هستيريا نقدية تتذرع بـ”الضرر على القضية”، “غياب التنسيق”،

“الطابع الديني أو الفصائلي”، “التهديد للمسار السياسي”. وكلها مبررات تبدو عقلانية، لكنها في الحقيقة تُفرغ المقاومة من جوهرها، وتُعيد إنتاج منطق المحتل الذي يُدين الفعل المقاوم لأي سبب وبكل حجة.

السؤال المتكرر عن توقيت العمليات: هل يُعقل أن تكون عملية القدس، أو تلك التي وقعت في شمال غزة، قد خُطط لها فجأة لتقع في نفس اليوم الذي يُحاكم فيه نتنياهو أو يُطلق فيه ترمب مبادرته؟

هل تتصورون أن الفعل المقاوم يُبنى على ردود فعل إعلامية أو سياسية؟

هذا تبسيط مخل، لأن العمليات الفدائية لا تُولد من فراغ، ولا تُصمم لتناسب توقيتات المحاكم أو المبادرات. هي فعل وجودي، نابع من تراكمات القهر، والحصار، والمجازر، وانسداد الأفق.

من يحتج بتوقيت العملية ليشكك في جدواها، أو في منفذيها ومن يقف وراءهم، يُمارس نوعًا من التحايل الأخلاقي. يرفض الفعل لأنه لا يناسب اللحظة السياسية التي يتخيلها. يُطالب المقاومة بأن تنتظر حتى تهدأ الأوضاع، أو حتى يُحاكم الجلاد بهدوء، أو حتى تُستكمل المبادرات التي لا تضمن شيئًا سوى نزع سلاحها.

المقاومة لا تُؤجل نفسها لتناسب سردية الإعلام أو مواعيد المحاكم.

هي رد على واقع لا يُحتمل، لا على حدث يُحلل.;

ومن يُعلن تأييده للمقاومة ثم يتراجع عند أول رصاصة، لا يؤيد المقاومة، بل يؤيد صورتها الرمزية فقط. ومن يُشكك في الفعل لأنه لا يُناسب توقيتًا دوليًا، لا يُناصر الحق، بل يُراعي المزاج العالمي.

ومن يُدين العملية لأنه يخشى أن تُستخدم لتبرير العدوان، يُعيد إنتاج منطق الاحتلال: أن الفلسطيني يجب أن يقاوم فقط بما لا يُزعج.

العمليات الفدائية لا تُخطط لتناسب محاكمة أو مبادرة، بل تنبع من سياق دموي مستمر. والمقاومة لا تُقاس بمدى انسجامها مع توقيتات النخب، بل بمدى تعبيرها عن إرادة شعب يُذبح يوميًا.

المقاومة لا تحتاج إلى من يصفق لها حين تكون بعيدة، بل إلى من يحرس معناها حين تصبح قريبة، دامية، مربكة. والمثقف الحقيقي لا يقف على الحرف، بل يعبره، حتى لا يصبح تأييده هشًا بلا أي قيمة تذكر.

بقلم/ محمد حماد 

كاتب صحفي

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *