العفو عن العقوبة “الجذور التاريخية وتطور المفهوم”
أسامة شمس الدين يكتب:*
لقد اتخذت العقوبة قديمًا أشكالًا متعددة، ما بين القسوة والشفقة، والقوة والضعف، والشدة واللين، والعنف والرفق. ففي البداية كانت العقوبة ذات طابع اجتماعي يميز بين الأحرار والعبيد، ثم سرعان ما اتخذت طابعًا دينيًا يعتمد على مبدأ الثواب والعقاب، ثم طابعًا سياسيًا يهدف إلى تحقيق الردع العام.
وحينما كانت القسوة والشدة والضغط من أشكال العقوبة، كان الهدف في ذلك الوقت هو العذاب نفسه، كما يظهر في القوانين القديمة مثل قانون مانو الهندي والشرائع الصينية القديمة، والتي كانت تفرض الإعدام على السارق إذا تكررت السرقة للمرة الثالثة. وكذلك الحال في قانون حمورابي، الذي اشتمل أيضًا على عقوبات مشددة لجرائم النصب والغش والاحتيال.
كما كانت العقوبة تختلف أحيانًا بحسب الفروق الاجتماعية بين الأحرار والعبيد. ففي قانون حمورابي، إذا حطّم رجلٌ حر أسنانَ شخصٍ آخر، تُفقد أسنانه، ويُكتفى بدفع ثلث كيل من الذهب إذا كانت الضحية أقل مرتبة منه.
ثم اتخذت العقوبة طابعًا دينيًا، حيث أصبحت الجريمة عصيانًا دينيًا يقبل الأفراد جزاءه مهما بلغت قسوته، كما في مصر القديمة والعبرانيين. وبعد ذلك اتخذت العقوبة طابعًا سياسيًا، حيث رأى فقهاء الرومان أن للعقوبة وظيفة إضافية إلى جانب الردع، وهي تقويم الجاني وإصلاحه وإعادته إلى المجتمع.
وقد عرّف علماء الفقه الجنائي العقوبة بأنها:
“جزاء يقرره القانون ويوقعه القاضي على من تثبت مسؤوليته عن فعل جريمة، ليصيب به المتهم في شخصه أو ماله.”
أو أنها: “قدر مقصود من الألم يقرره المجتمع ممثلًا في المشرّع، ليوقع كرهًا على من يرتكب جريمة بمقتضى حكم قضائي.”
وقسّم المشرّع المصري العقوبات إلى ثلاثة أنواع بحسب جسامة الجريمة: الجنايات، والجنح، والمخالفات، ولكل نوع مقدار محدد، فالأشد هو الإعدام، والأقل هو الغرامة.
ومع ذلك عرفت معظم المجتمعات والحضارات القديمة، سواء الإغريقية أو اليونانية أو الرومانية، نظام العفو عن العقوبة. وقد طبّق القانون الفرنسي القديم العفو الشامل تحت مصطلح “الإبطال”، ثم ظهر في القرن الثامن عشر مصطلح العفو الشامل كإجراء قانوني تستعمله السلطة العامة في أوقات الاضطرابات الاجتماعية والسياسية لتحقيق التعايش السياسي والاجتماعي.
وينقسم العفو إلى نوعين: عفو خاص و عفو عام (شامل).
أولًا: العفو الخاص
هو ما يُمنح لشخص أو لأشخاص معيّنين بأسمائهم، ويصدر غالبًا عن رئيس الدولة. يركز هذا النوع على المستوى الجنائي للفعل ويزيل العقوبة كليًا أو جزئيًا، أو يستبدلها بعقوبة أخف وفقًا لما ينص عليه قرار العفو.
ولا يمس قرار العفو الخاص حكم الإدانة ولا العقوبات الإضافية أو التدابير الوقائية، إلا إذا نص القرار على خلاف ذلك.
ويُشترط في العفو الخاص أن يصدر بعد أن يصبح الحكم بالإدانة نهائيًا وغير قابل للطعن بالطرق العادية أو غير العادية، وذلك لأن الحكم قبل صيرورته نهائيًا قد يُخفَّف أو يُلغى.
وتتنوع الحكمة من إصدار العفو الخاص، فقد يكون وسيلة لإصلاح الأخطاء القضائية، أو للتخفيف من عقوبة قاسية، أو لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية.
ثانيًا: العفو الشامل (العفو العام)
هو إجراء تشريعي يهدف إلى إزالة الصفة الإجرامية عن الفعل، بحيث يصبح كالأفعال المباحة قانونيًا، ويشمل محو الجريمة وعقوبتها، سواء قبل رفع الدعوى أو بعد صدور الحكم، ويوقف جميع إجراءات الدعوى.
ويؤدي العفو الشامل إلى محو الجريمة والعقوبة الأصلية وكل العقوبات الإضافية والتدابير الوقائية، دون المساس بحقوق المتضررين إلا إذا نص على خلاف ذلك.
وقد تتضمن أسباب العفو الشامل ما يلي:
1. ظروف سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تفرض طبيعة جديدة للأحكام محل العفو.
2. القضاء على تراكم القضايا الجنائية في المحاكم التي طال أجلها.
3. العفو عن المعتقلين في جرائم سياسية.
والعقوبة ليست مجرد نص قانوني، والعفو ليس مجرد قرار سياسي؛ فكلاهما في جوهره يعكس رؤية المجتمع للعدالة. وبعد أن استعرضنا التطور التاريخي للعقوبة وأنواع العفو، سننتقل في المقال القادم إلى تناول الإطار الدستوري للعفو في مصر، وما يتمتع به رئيس الجمهورية من صلاحيات في هذا الشأن، وفقًا للدستور والقانون والقضاء الدستوري.
باحث وكاتب

Average Rating