الأم الراعية في بلاط صاحبة الجلالة
محمد حماد يكتب :*
لم تكن أمينة شفيق مجرد صحفية ذات تاريخ مهني طويل، ولا مناضلة حملت القلم والموقف معًا، بل كانت قلبًا نابضًا في محراب النقابة، ووجهًا إنسانيًا نادرًا للانحياز المهني والوطني.
هي وزوجها المناضل الراحل عبد المنعم القصاص ليسا مجرد سيرة فردين، بل حكاية جيل كامل، وزمن كانت فيه المهنة موقفًا، والنقابة بيتًا، والانتماء فعلًا يوميًا لا شعارًا معلّقًا.\
كانت أول من استقبلني من أعضاء المجلس حين انتقلت من جدول المشتغلين في نقابة المحامين إلى جدول تحت التمرين في نقابة الصحفيين. لم يكن الأمر مجرد انتقال مهني، بل عبور من جدران عابسة إلى رحابة مستوعبة.
هي أول من يمدّ يده مرحِّبًا. لم يكن الترحيب حرفًا يُقال، بل دفئًا يسري في الروح؛ دفء لا تُنشئه العبارات، بل الأرواح التي عرفت معنى الاحتضان، وفهمت أن المهنة لا تقوم إلا على الأمان المعنوي قبل أي شيء آخر.
كانت تعرفني محاميًا، وعلاقتنا تميل إلى الرسمية. وكنت وقتها أمسك بملف نقابة الصحفيين في مكتب أستاذي عبد العزيز محمد نقيب محامي القاهرة، ما إن علمت أنني صرت عضوًا في النقابة التي أعطتها العمر كله، حتى تبدّل كل شيء. صارت تسأل عن أخباري كما لو أنني واحد من أبنائها، أو كأنني الوحيد الذي يهمها أمره في النقابة كلها. تتابع خطواتي الأولى في المهنة، وتمنحني يقينًا لم يكن يُطلب ولا يُشترى. ولما اقتربتُ منها أكثر، أدركت أن ما ظننته خصوصية، هو في الحقيقة طباعها الأصيلة مع كل صحفي وصحفية يطرقان أبواب صاحبة الجلالة للمرة الأولى.
أمينة شفيق ليست فقط مناضلة صلدة الموقف، ولا صحفية ذات أثر واضح في تاريخ اليسار المصري. كانت، قبل ذلك وبعده، امرأة نذرت نفسها للعطاء. أينما حلّت، شعرت النقابة أنها أكثر من مؤسسة: كانت بيتًا، وكانت هي الأم الراعية فيه. تسأل، تتابع، تحتضن، وتُحنّي على الجميع بروحٍ لا تطلب مقابلًا، سوى أن تبقى المهنة عزيزة، وأن تبقى كرامة الصحفي أثمن من أي حساب.
ذلك هو الإرث الحقيقي لأمينة شفيق؛ إرث لا يُقاس بعدد المقالات ولا بسنوات الخدمة، بل بالدفء الذي تركته في القلوب، وبالأمان الذي زرعته في الممرات الطويلة للنقابة، وبالمثال الذي قدّمته لجيلٍ يحتاج إلى ما مثلته طويلًا أمينة شفيق أكثر من أي وقت مضى.
* كاتب صحفي

Average Rating