الإمام الغزالي… وغزالي العصر!

عادل القليعي يكتب.

قد يندهش قارئ هذا العنوان بمجرد النظر إليه لأول وهلة، وسبب دهشته واضحة فجميعنا يعلم من هو الإمام الغزالي الطوسي الذي كان يمتهن حرفة الغزل، والذي ولد بمدينة طوس، والذي توفي عام خمسمائة وخمسة للهجرة.

وهذا معلوم للكل، المتخصص وغير المتخصص.

لكن الدهشة من هو غزالي العصر، وهكذا سؤال سيدورف في خلد الكثيرون.

أبو حامد الغزالي له العديد من المؤلفات فكتب إحياء علوم الدين، وكتب مشكاة الأنوار، ألف المنقذ من الضلال وكذلك كيمياء السعادة، وميزان العمل، والإقتصاد في الإعتقاد وقوانين التأويل، ومعارج القدس، وله رسائل في التربية، أذكر منها رسالة أيها الولد، ومشكاة الأنوار، وتهافت الفلاسفة، هذا قليل من كثير من مؤلفاته ما أسعفتني به ذاكرتي.

نعم إنه الغزالي، السني ،الفقيه، المتكلم الأشعري، المتفلسف، الزاهد، المتصوف، الرحال، البحاث عن الحقيقة، الناقد، الشاك.

أبو حامد الغزالي الذي سلك كل السبل من أجل الوصول إلي اليقين المعرفي، فبدأ حياته حافظا للقرآن متقنا لعلومه متبحرا في الفقه وأصوله وله كتاب القسطاط المستقبم، والإقتصاد في الاعتقاد، والمستصفى.

ثم بعد ذلك درس علم الكلام على مذهب الأشاعرة وإن كان قد خالفهم في بعض المسائل أهمها أن جل جمهور الأشاعرة رفض مسألة استطاعة الله أن يكلف العبد ما لا يطيق، إلا إنه ذهب إلى القول أن الله في استطاعته تكليف العبد ما لا يطيق من التكليفات ونختلف معه في ذلك فكيف بالرحمن الرحيم الرؤوف بنا أن يشق علينا بتكليفات لا نستطيع القيام بها متفقين بذلك مع قوله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وإنما تأول ذلك الغزالي معولا على أن العبد لا يملك من أمره شيئ، وهو كالميت في يد الغاسل بالنسبة للإله سبحانه وتعالى، وهو بذلك خالف الأشاعرة في مقولتهم الله خالق والعبد كاسب.

ثم بعد ذلك بدأ رحلة شك طويلة انتهت به إلى المرض الذي أقعده عن الحركة لكن عقله فعال لم يتوقف عن التدبر، فشك في كل شيئ، شك في إمكانية قيام المعرفة، شك في مصادر المعرفة، فشك في الحواس لأن ما تقدمه لنا من معلومات منقوصة لا نستطيع من خلالها إدراك الحقيقة كاملة ومن يسير خلفها تقوده إلى سراب، ثم شك في العقل وقال أن له حدود لا يمكن بحال من الأحوال أن يتخطاها خصوصا في بحثه عن العالم الميتافيزيقي، ثم هداه ربه بعد عناء طويل وشك منهجي مختلف عن شك السفسطائي المذهبي الذين يودي بصاحبه إلى التيه والضلال، وصل إلى المصدر الثالث، المصدر القلبي عن طريق الحدس، النور المفارق الذي يقذفه الله في قلوب العارفين التي لها عيون، يرون بها ما لا يراه الناظرونا

فالغزالي دأبه وديدنه وبغيته الوصول إلى الحق، الوصول إلى الله تعالى.

من لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال.

نعم يا سيدي، لكن أطرح عليك سؤالا هل هذه الومضات النورانية والهبات الصفائية تتأتى للجميع، تتأتى لم شغلتهم شواغل المادة والحس.

لا وإنما تتأتى لمن تخلوا وتحلوا، فنالوا الحظوة وتجلت عليهم الفيوضات الربانية.

إذا هذا المصدر لا يتأتى للجميع، إذا بقيت المعضلة هي هي كما هى.

فلتسمح لى يا أبا حامد أن أجتهد رأيي، بما أن هذا المصدر الإلهامي غير متاح للجميع، فلم لا نقول عجزنا عن إدراكه إدراك وخوضنا في ذاته إشراك، وما حيلة العقل العاجز، وتبقى المسألة محل تدبر واعتبار.

درس الإمام الغزالي مسائل الفلسفة، ودرس حقيقتها وتعريفها، وبحث مسألة العالم وكفر فيها الفلاسفة القائلين بقدمه، ودرس العلم الإلهي وأنكر على الفلاسفة من قال أن الله لا يعلم إلا الأمور الكلية المفارقة، ودرس النفس الإنسانية وتعريفها الذي ساير فيه أرسطو بنكهة إسلامية، ورفض فصل النفس عن الروح وعن العقل والقلب والفؤاد فجميعهم وجوه لعملات واحدة وجاء ذلك في كتابه معارج القدس

في مدارج النفس، وكفر الفلاسفة في مسألة البعث، كفر من أنكر الجزاء ثوابا وعقابا على النفس والجسد، جاء ذلك في كتابه تهافت الفلاسفة، الذي رد عليه ابن رشد في كتابه تهافت التهافت مفندا حججه واحدة تلو الواحدة.

لكن يا غزالي من منا مهما أوتي من علم يمتلك سلاح التكفير، هذا السلاح الفتاك الذي استخدمه من اطلقوا على أنفسهم التكفيرين مكفرين الناس بالباطل والله تعالى منهم براء وكأنهم لا يعلمون حقا جهلاء لا يعلمون أن هناك مراتب لهذه المسألة (كره إليكم الكفر والفسوق والعصيان)، فالكفر في المرتبة الثالثة، بدءا بالعصيان، فالفسوق، فالكفر، ترتيبات تصاعدية من الأدنى، إلى الأعلى، فالأعلى، وحتى هذه المراحل تتخللها رحمات ربي عن طريق الإستغفار والتوبة ما لم يغرغر الإنسان وما لم تطلع الشمس من المغرب.

نعم إنه الغزالي الطوسي النقي التقي الطاهر الورع.

صاحب الإحياء، صاحب الخلق القويم الذي ترك لنا ميراثا أخلاقيا مبدعا، ترك لنا حديثا شيقا وفكرا راقيا عن الوسط الأخلاقي وأن الفضائل تقع في منازل وسطى بين طرفين كلاهما رذائل، نعم حدثنا عن قوى النفس الإنسانية، الغضبية وفضيلتها الشجاعة، وقوي النفس الشهوية وفضيلتها العفة، وقوى النفس العاقلة وهي التي تسيطر على القوتين الشهوية والغضبية جامعا بذلك بين السقراطية والإرسطية والأفلاطونية المحدثة، موفقا بينهم وبين موروثه العقدي مستشهدا على هذه الوسطية من القرآن الكريم والسنة المطهرة (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط)، فلا إفراط ولا تفريط.

وأن النبي صل الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا واختار أيسرهما.

ثم يقدم لنا رؤوس وأمهات الفضائل، الحكمة، والعفة والشجاعة والإستبصار.

ويحدثنا عن الخيرات، وأنواعها فيقول هناك خيرات للبدن كالصحة، وخيرات للنفس وهي العفة والحكمة والإستبصار والشجاعة، ثم خيرات توفيقية توفيق الله وهدايته وإرشاده وتسديده.

نعم إنه فقيه الأمة الإسلامية، نعم إنه الفيلسوف، الزاهد، المتبتل، الأواب، الأواه، التقي، الفقير إلى الله تعالى.

وللحديث بقية، سنتحدث عن تصوفه وسنكشف اللثام عن من هو غزالي العصر.

* أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *