مصر المصايف!!

Read Time:2 Minute, 1 Second

لم نكن نسمع عن المصايف ، كان الصيف أهم مواسم الإنتاج ، والعائلة كلها قوة عمل ، تكتمل وتلتئم بعودة من غابوا موسم الشتاء في المدرسة والجامعة ، كانت الغيطان هي المصايف الطبيعية ، حدائق مفتوحة على مرمى البصر بلا أسوار ولا أبواب ولا حدود ولا أنتهاء ، الآفاق كلها حدائق ، والأوقات كلها عمل ، والبشر كلهم منتجون ، نمط حياة وثقافة وأخلاق وفلسفة حياة ، تشمل الجميع من الفلاح الذي يعمل باليومية ، إلى صغار وكبار الملاك ، بل وساكني الريف من المتعلمين والموظفين وأهل المهن من الطبقة الوسطى .

– بدأنا نسمع عن المصايف مع ال U Turn الذي انجرفت فيه البلد بعد حرب ٧٣ ، ثقافة استهلاك لا انتاج ، ثقافة بحث عن متعة لا قيام بواجب ، ثقافة الحلم الفردي لا المصلحة العامة ، ثقافة البحث عن عمل على هوامش المدن أو خارج مصر بدل التحصن في القرية كقلعة وملاذ طبيعي ، بدأنا نشتري العيش جاهز ولا نخبز ، بدأنا نشتري هدوم جاهزة ولا لزوم للقماش والترزي والخياط ، بدأنا نهجر التدين القديم إلى موضة الجماعات ، بدأت الامتحانات العامة في المدارس تتحول الى مناسبات قومية لممارسة الغش الجماعي ، بدأت تنتشر ألقاب فلان عنده مكتب استيراد وتصدير ، بدأت الحمير تختفي كوسيلة مواصلات بين القرى وحلت محلها سيارات نصف نقل تتبارى في إذاعة تسجيلات فضيلة الشيخ كشك والفنان الشعبي أحمد عدوية، باختصار شديد : سمعنا عن المصايف في لحظة كانت البلد تنخلع من كل ما كان من ثوابتها ، تنخلع جملة ومرة واحدة .

– سمعنا عن المصايف ، ولبسنا محزق ، وأكلنا من الطابونة ، وهجرنا القرية ، وتوحهنا لعشوائيات المدن والخليج وليبيا واليمن وكل مطرح وجدنا فيه موضع قدم ، وهدمنا البيوت القديمة ، وجرفنا الارض وعملنا مصانع طوب ، بنينا بيوت كأقفاص من علب كبريت ، وزحمناها بالتلفزيون وجهاز الكاسيت والثلاجة والبوتوجاز ، زادت عزلتنا عن واقعنا ، اتسعت الفجوة فجأة بين أمسنا ويومنا فتاه الغد وضاع من أيدينا ، ذهبنا نبحث عنه في كل طريق ومن كل اتجاه ، ولم نعثر عليه بعد . ومازال الغد تائهاً ونحن في عماء تام لا نبصره ولا نعثر عليه .

– كل ما سبق ، كان بعضاَ من تداعيات مغامرات وتقلبات ومفاجآت سياسية عنيفة امتدت عشرين عاماً من إعلان الجمهورية ١٩٥٣م حتى نهاية الحرب ١٩٧٣م ، عشرون عاماً من الشيء ونقيضه ثم الشيء ونقيضه ، أرهقت الدولة وأنهكت الشعب وأفقدت الأشياء معانيها وأفقدت المعاني مصداقيتها .

– فجاءت المصايف ولوازمها كمحاولات عشوائية لغسيل هموم واحباطات واخفاقات عشرين عاماً بدأت بأحلام ثم انتهت بكوابيس . هذه الحلول العشوائية استمرت من بعد ١٩٧٣م حتى ٢٠٢٣م ومازالت وسوف تبقى ، بل تتضخم إلى تفاوت اجتماعي بين مصايف الأغنياء ومصايف الفقراء ، ومصر الأغنياء ومصر الفقراء ، ومصر الأقوياء ومصر الضعفاء ، باختصار : مصر التي لم تعد للجميع ولم تعد لكل أبنائها .

( المجتمع ضحية السياسة ، والشعب ضحية السلطة ، ومصر ضحية الجميع ) .

بقلم/ أنور الهواري 

كاتب صحفي

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *